| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

يا دارة دوري "بينا"...

تردد فيروز على مسامعنا أغنيتها العذبة التي تحمل مذاق الطفولة وأحلامها ومتعها: [[ يا دارة دوري "بينا"، وظلي دوري "بينا"، "لينسوا أساميهن" وننسى أسامينا]]، تردد هي.. ويصغي ويطرب من بقي لديه في هذا الزمن وقت وأذن وحواس سليمة، ويمر بالكلام والصوت واللحن مرَّ الكرام من غرق حتى أذنيه في التفاصيل والأقاويل والتهاويل ففقد القدرة على التلقي والتذوق والربط بين المكونات، ولم يعد بإمكانه أن يرى المشهد الخاص في فلَكه العام رؤية كلّية، "غشتالتية إن صح القول"، تجعله قادراً على ربط الأحداث والأقوال والمشاهد عبر معطيات وعلاقات وتقاطعات ومن ثم الوصول إلى قراءة استيعابية متكاملة واستنتاجات منطقية متناغمة.. هكذا نحن اليوم في أرجاء وأوساط كثيرة من وطننا العربي عامة وفي أقطار منه خاصة لا سيما عندما يتعلق الأمر بشؤون فلسطين والعراق ولبنان وشجون أخرى تبرح أبناء الأمة.

وعندما ندور وندور في دوامات الشعر والعمل، الفعل ورد الفعل، وبناء قول على قول.. نصبح خارج قواعد المنطق ومعادلاته والانتماء ومتطلباته، وخارج معطيات الواقع المحيط، والحكمة المنقذة الفاعلة.. ويأخذنا الدوران إلى الدُّوار حتى ننسى أننا أمة واحدة يؤثر فيها ما يطحن الجزء من أجزائها، ويضعفها الفرع الذي يخرج عليها ويتقوّى بعدوها لينال منها، فلا يحني الشجرة أكثر من غصن من أغصانها، وليحقق بزعمه "استقراراً" ومصالح وحرية وقراراً وحظوة من نوع مدمر.. لدى "مهيمنين ومحتلين وولاة أمر" متسلطين، لا تأخذهم بالعباد والبلاد رأفة أو رحمة، ولا يعرفون قيمة إلا لما " يُقرَّش" ويدخل جيوبهم.. نصبح في الدوامة مادة لها، وننسى محركها ودوافعها وأهدافها الكامنة وراء إثارة أعاصيرها واستمرار هديرها. نحن في الدوامة وقد نسينا من نحن.. نعيش حالة مزرية من التهميش والتقوقع ونتمركز حول نواة الوهم المتفاقم في أعماقنا، نرى أننا الأعالي أو في الأعالي ونحن في درجة من درجات الحضيض نهوي ونهوي ونستمتع ونحن نسقط.. لأننا نسينا أنفسنا وتوازننا ونحن في الدوامة ونسينا ضبط المسافات وحدود الفصل والوصل بين الآخر والذات التي لا نكاد ندرك كنهها ولا نرى خارجها شيئاً يُذكر مما يحيط بنا ويستهدفنا ويتوجب علينا أن ندركه ونأخذه بالاعتبار.. مهمشون إلى درجة الذهول عما حولنا ومستضعفون إلى درجة الذبول في أعماقنا وأسرَّتنا وبيوتنا وقرانا ومدننا وبلداننا.

ـ يساء إلى رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، وإلى رموزنا الدينية والروحية.. فلا يتحرك ساستنا لقطع علاقات أو التهديد بقطعها، أو لتفكر بأن هناك حدوداً للارتماء في أحضان التخاذل والصمت والسكوت على ما يفعله أعداؤنا فينا وما يلحقونه من إساءات بنا وتشويه بصورتنا.. نفزع ساعة الفزع على عجل ولا نعد للأمور عدتها بروية، وذلك لا يفيد مع وجود خطط وبرامج عمل تقف وراءها عقول وإمكانيات وتعمل لتنال منا، ويساعدها على تحقيق أهدافها بعض من يحسبون علينا ويعملون بين جلدنا وعظمنا.

ـ يقول الأميركي المحتل بلسان قادته والمرشحين لرئاسته.. إنه سيبقى في عراقنا مئة سنة أخرى، ويمعن في التدمير القتل وحماية القتَلة والنهب والتنصير.. فتأخذ البعض منا النشوة لأن "حلفاءه أو وحماته؟" يحققون ما وعدوا به، وأنهم سوف يبقون محتلين لقطر عربي حتى يجردوه من هويته، وأنهم سوف ينصرونهم على " ذاتهم أو بعض ذاتهم"، وأنهم " انتصروا" في معركتهم وسوف يبقون يسرحون ويمرحون في العراق أو في سواه، في هذه العاصمة أو تلك من عواصم العرب والمسلمين وحواضر حضارتهم التاريخية إلى ما لا نهاية.. وأنهم "يتمرْجلون" على أشقائهم ويرهبونهم بعد أن أذاقوهم الويل والثبور وعظائم الأمور، ودمروا دولتهم وانتهكوا أعراضهم، ونهبوا ثرواتهم، والحقوا بهم الكوارث.!!

ـ يحاصر الصهاينة المحتلون غزة حتى الإبادة ويقتلون أطفالها وشيوخها ويذلون نساءها ويفجعونهن بالأحبة والأعزة فيصرخن من دون مغيث، ويجتاحون ما يحلو لهم اجتياحه من أرض وبيوت وكرامات وحيوات.. يدمرون ويعتقلون ويلاحقون وينتشون بإراقة دمنا البريء .. فيرد بعض مسؤولينا " الكبار" بأن " صواريخ المقاومة" التي يشبهها "بالمفرقعات" هي السبب.. وهي ما يجعل العدو المحتل.." يدافع عن نفسه" بهذه الشراسة والدموية؟ كأنما يطلب منا أولئك أن ننسى التفريق بين المجرم والضحية وفعل الإجرام والرد المشروع على الاحتلال في أبشع صوره.. وأن نبارك الاحتلال ونشكره على "نعمه"، ونسلم بأنه قدر محتوم لا يُردُّ ولا يقاوَم.. ويطلب منا ذلك النفر، " بعقلانية مصنَّعة ومصطنعة"، أن نستسلم لذابحنا الذي لن يذيع أخبار ذبحنا على الملأ إلا إذا وجد أن له مصلحة في ذلك.. فنموت مستورين، وأن علينا ألا نصرخ في أثناء الذبح حتى لا يتخذ من ذلك ذريعة ويقدم للعالم دليلاً ضدنا بأننا كنا نهدده حينما كان يذبحنا، وأن صراخنا تحت سكينه أرهبه وجعله يدافع عن نفسه بكل أنواع الأسلحة الفتاكة، والجرائم البشعة.. ويذبح عشرة منا رداً على كل كلمة تطلقها ضحية من ضحايانا على مذبحه.. مذبح الاحتلال وإرهاب الدولة.!؟  

ـ يسيِّر الأميركي مدمراته نحو سواحل بلد من بلداننا لـ " لينشر الاستقرار فيه.. أي فوضاه الخلاقة؟" ويثير فتنة داخله.. ويهدد قطراً آخر من أقطارنا بمدمراته وسياساته وحصاره ليبتزه ويفرض عليه ما يريد مما لا يطاق.. فنرقص في شوارع الإعلام ودهاليز السياسة لأننا نجحنا في إقناع عدو الأمة بغزو قطر آخر من أقطارها وتدمير أخ آخر لنا، وننتشي لأن " حليفنا وحامينا" تحرك ليضرب أهلنا أو بعض أهلنا ممن يخالفوننا الرأي والرؤية.. فقتلهم على يدي هذا " الصديق المهيمن" يفرح قلوباً ويعلي هامات،  ويرضي أرباباً، ويخلصنا من معارضة داخل البيت ومن إدعاء ممانعة في غير محلها ونصرة مقاوَمة في غير وقتها، ويحسم الحرب لصالح أصحاب داحس على حساب أصحاب الغبراء.. أو العكس.

ولا فرق في هذا من حيث النتيجة، فكله توغل في عمق القلب العربي وفري لكبد الأمة العربية.. ومن أجل هذا فليتسابق المتسابقون.. ولم لا..؟ فنحن منذ امرئ القيس بن حجر الكندي على الأقل نسلك هذه السبيل.. نلجأ إلى أعداء الأمة نستنفرهم ونستنصرهم على فريق منها لنأخذ ثأراً أو نكسب ملكاً ولو على حساب الأمة كلها في نهاية المطاف.. نرتق جراحنا بحجر الصوان، ونرقأ دمعنا بإسالة دمع أخينا واستنزاف دمه، ونردد مع صاحب "اليوم خمر وغداً أمر":

      وَلَو شاءَ كانَ الغَزوُ مِن أَرضِ حِميَرٍ

                           وَلَكِنَّهُ عَمداً إِلى الرومِ أَنفَرا

      بَكى صاحِبي لَمّا رَأى الدَربَ دونَهُ      

                          وَأَيقَنَ أَنّا لاحِقانِ بِقَيصَرا

      فَقُلتُ لَهُ لا تَبكِ عَينُكَ إِنَّما               

                          نُحاوِلُ مُلكاً أَو نَموتَ فَنُعذَرا

ـ تذر الفتنة قرنيها في وسط من أوساطنا أو بلد من بلداننا، أو بين فريقين من أبنائنا، فننقسم إلى مع وضد، ونمضي في تأجيج النار واستقطاب الناس" في [[.." تحالف" ضد "محور"]] بدلاً من أن نحاصر الفتنة ونزيل فتيلها وصواعق تفجيرها.. ويسمح فعلنا هذا لحماسة كوندي رايس بأن تهيج وتفتح الشمبانيا في قصر بوش، وللإرهابية ابنة الإرهابي ستيبي ليفني بأن ترقص على حواف الصدع العربي العميق.. أما نحن فنذهل وننسى أن منا الأفاضل والحكماء من أمثال هرم بن سنان في الجاهلية، وقول زهير بن أبي سلمى فيه وفي زميله، أي في الحكَمين الحكمة:

       سَعى ساعِيا غَيظِ بنِ مُرَّةَ بَعدَما

                              تَبَزَّلَ ما بَينَ العَشيرَةِ بِالدَمِ

       تَدارَكتُما عَبساً وَذُبيانَ بَعدَما      

                             تَفانوا وَدَقّوا بَينَهُم عِطرَ مَنشِمِ

       وَقَد قُلتُما إِن نُدرِكِ السِلمَ واسِعاً      

                             بِمالٍ وَمَعروفٍ مِنَ الأَمرِ نَسلَمِ

ونتناسى قبل ذلك وبعده قول الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله.. " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا.. " الآية/ الحجرات 9.

ـ نتفاءل بعقد قمة عربية ونُقبل عليها بآمال عراض طمعاً باتخاذ مواقف وقرارات، ومعالجة قضايا شائكة ومشكلات وأزمات وحل خلافات وأمور مستعصيات ورص صف متآكلة، وبلوغ شأو في التضامن والعمل العربي المشترك يقينا التهافت والتهالك، في ميادين منها التصدي للكوارث التي تجتاح بعض أقطارنا وديارنا، والقيام بعمل عربي إيجابي في ميادين سياسية واقتصادية وثقافية ينعكس خيراً وقوة وأمناً على الأقطار والناس ويرد عن الأمة بعض الغوائل والأذى.. فنفرش الدروب إلى تلك القمة بقبور الأمة، وبخلافات ونزاعات وصراعات وعراقيل وأحابيل تحول دون انعقادها أو تفسد مناخها ونتائجها، وتجر من بعد ذلك عواقب سلبية تنسحب على القمة التي تليها؟

ما هذا الذي نحن فيه، وما الذي لم يجرحنا بعد ويذكرنا بأننا مستهدَفين جميعاً بالمفرق والجملة ومُستهدَف ديننا وكل ما يتصل بنا، وما الذي بيننا يا ترى مما لا يستطيع معه ساستنا وعقلاؤنا وحكماؤنا وحكامنا وأهل الخير منا.. معالجته أو مجاوزته ليصلوا بالأمة إلى هدنة من محنة، وتضميد جرح وسد باب جحر وذريعة طامع، وردع عدو وأدواته ومطاياه، والوصول بنا إلى شاطئ من شواطئ الأمان أو إلى فترة استرخاء بين مرحلتي مد وجزر في صلاتنا وعلاقاتنا تُستنزَف في كل منهما طاقة وقدرة وهمة.!؟

أرانا وقد دارت بنا الدارة حتى أخذنا الدوار.. دخنا ونسينا كل ما بيننا من صلات وما ينتظرنا من أزمات.. وتهنا عن طريق العودة إلى بيتنا المشترك.. حتى أننا "نسينا أسامينا" كما تقول الأغنية.. ويبدو لي أن لدى فريق من منشئي الأزمات ومستثمريها ولدى معنيين وغير معنيين بأمورنا منا.. انسداداً مرَضياً مزمناً في القنوات الموصلة بين العقل والضمير واللسان، بين الماضي والحاضر والمستقبل، بين الأمن القومي والأمن الوطني، بين الحقيقة والإشاعة والكذبة، بين الواقع أياً كان والمسؤولية عنه أياً كانت درجتها.. وأن بيننا من يوحى إليه أو يعيش تحت مظلة التبعية والإيحاء، فيتكلم كما يراد له أن يتكلم من دون ضابط عقلي واقعي مستمدٍّ من واقعه ومحيطه ومصلحته العليا، فيعرض الرأي قبل القول على مرجع أو معيار موضوعي منطقي، ومن دون محاكمة أخلاقية ووجدانية يتدخل فيها الضمير ليقر الصحيح السليم ويرفض ما عداه ويمحص الأقوال والأفعال ليكشف الافتراء والكذب والتشويه والتشويش والإغراض.. وأن هناك من يقررون ويتكلمون أو يكتبون من دون عودة للوقائع والعقل والضمير والمسؤولية والحرية المسؤولة عما يقررون ويقولون أو يكتبون.. الأمر الذي يشكل بمجمله، الفعل ورد الفعل، حالة "انفلات أو انفلاش" وتملص من كل حكمة وإرادة تحكم القرار واللسان والقلم.. ومن ضوابط قومية ووطنية وقيمية ومعيارية منطقية وخُلُقية وإيمانية.. فيرى الناس في ذلك المناخ العام مواسم لم تحن بعد.. مواسم يغري بها الوهم المهيمن والتحريض والتهييج.. وتراهم واثقين من النتائج التي يسفر عنها هذا اللون من القول والفعل والتكوين والأداء والمناخ، تأخذهم موجة وتحطهم أخرى.. في بحر كلام يصدره لسان لا مرجعية له فيتلقفه لسان آخر من النوع ذاته، ولا تلبث أن تردده جوقة ألسنة مبرمجة تبث على هذه الموجة أو تلك، فيدوِّم في الفضاء أحولاً وعلاقات وأحكاماً ومواقف.. ثم يهيج فيصبح رأياً عاماً يلف إعصارُه بعض الناسَ، ويكاثف فوق العقل دخان انفجار كبير وغباره.. فيحسبه بعض الناس غيماً ماطراً وغيثاً مَريعاً.. فيرفع قوم مظلاتهم اتقاء المطر ويتوارون في ظلها من الأحداث الجسام حذراً وأخذاً بالعبر.. يذكرونك بطرفة كانت تروى في زمن مضى، عن أشخاص في وطننا من الأيديولوجيين المتشددين.. كانوا يخرجون من بيوتهم في يوم ربيعي رائق صاف.. مرتدين معاطفهم حاملين مماطرهم.. لأنهم استمعوا إلى نشرة أخبار الطقس من إذاعة حميمة لا يصدقون سواها، تبث من بلد يبعيد عن بلدهم آلاف الكيلو مترات ويختلف طقسه كلياً عن طقس بلدهم.. سمعوها تنذر بطقس بارد وهطول مطر.. فاستبعدوا حدوث أي شيء ما عدا ما سمعوه منها..

و.. يا دارة دوري "بينا"..

دمشق في 29/2/2008

علي عقلة عرسان 

 

 

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |