| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

مشكلتنا الأَولى بالمعالجة مع ضيف شرف بلا "شرف"

لمعرض الكتاب الدولي في باريس هذا العام وقع خاص على العرب عامة والفلسطينيين منهم خاصة، فقد شارك في افتتاحه يوم الجمعة 14/3/2008 إرهابي عريق يرأس "دولة" قامت على الإرهاب وتمارسه بفظاعة وتتهم الآخرين بأنهم يمارسونه، وتبقى فوق المساءلة والقانون، " دولة " تتمركز ثقافتها حول العنصرية والكراهية والعداء للآخر " الغوييم"، وتصدر عن اعتقاد ديني راسخ يؤثر في إنتاج ثقافة متحجرة منذ قرون لا يزعزع تحجرها التقدم العلمي والقيم الإنسانية والمتغيرات الثقافية ولا العلمانية أو العولمة أو اليسارية المتطرفة.. فأمام " إسرائيل" نحن حيال صرح للعنصرية عميق الجذور لا تزعزعه المعرفة ولا تقاربه القيم النبيلة ولا التعاليم الدينية والإلهية السمحة السامية المتسامية.. بل تفعل العكس حيث يتم إدخال المتغير في دوائر التحوير والتزوير ليدخل الثلاجات.. ولا غرابة في ذلك فالتعاليم الإلهية ذاتها حوَّرت وأصبحت أساساً راسخاً لعنصرية مهيمنة يمثلها ما يسمى " شعب الله المختار"، يتحول الرب وفق مفاهيمها ـ جل الرب عن ذلك ـ إلى قدرة منحازة، يفرق بين خلقه فيقرب ويبعد حسب الانتماء والهوى وليس حسب العمل والإيمان، " رب" لا يعمل بالعدل ولا يأخذ بالمساواة بين بني البشر بل يجرفه الهوى، جل الرب عن ذلك، ليصل إلى حيث يريد له الحاخامات أن يصل، ويصدر عن ازدواجية مكاييل ومعايير تتضخم وتتسع وتتجه حسب مطالب وتعاليم ومصالح من يعلون التلمود على التوراة ويزورون التوراة لتناسب جشعهم وعدوانيتهم ومصالحهم وأوضاعهم بصرف النظر عن تعاليم الله وحقوق الناس وحقائق التاريخ.. فوفق هذا المنهج المستقر تصاغ ثقافة تضع اليهودي ـ بعرف التلمود ـ فوق الآخرين "الغوييم" وتصبح أحلامه وأوهامه وأطماعه عبادات ومقدسات، ويعمل الرب لدى " شعبه المختار؟"، "سمسار عقارات" وناصر عصابات ـ جل الرب عن ذلك ـ فيتقرب منه بأن يعده بتحقيق ما في نفسه وما يتطلع إليه، يمنحه أرض الآخرين ويبيح له دمهم ومالهم وكل ما يملكون.. فهم ليسو أكثر من "حيوانات خُلقت على صورة الإنسان لتكون لائقة بخدمة اليهود" حسب مفاهيم الثقافة الروحية التلمودية التي يُحتفى بها في معرض الكتاب الدولي هذا العام في باريس وتستضاف ضيف شرف "بلا شرف"؟ ثقافة تضع بشراً فوق البشر، وشريعة فوق الشرائع، ودولة فوق القوانين والمؤسسات الروحية والدولية والإنسانية، تتكلم عن أخلاق لا صلة لها بالأخلاق، وتدعي ما شاء لها انتفاخها أن تدعي فيذعن الآخرون لهول الإدعاء وقوة رواجه؟ وتستقطب حولها قوى عمياء يقودها عمي البصائر والقلوب من ذوي الهوى التلمودي الذي يعمي ويصمّ.

نحن أمام احتفاء فرنسي خاص وغربي عام بثقافة عنصرية ذات باع طويل في تزوير المفاهيم والمصطلحات والقيم والوقائع والحقائق والتاريخ.. ثقافة تقدس الكراهية وتعلمها في المدارس وتتهم الآخرين بالكراهية، تغتصب وطن شعب وتطرده شعبه وتلاحق المطالبين من أبنائه بالحرية، وتدعي لنفسها.. " أزياءه وتراثه الشعبي، وأساليب طهيه وأطعمته وتربته الحضارية.. إلخ، وتعمل ضده منذ عقود بدموية لا ترحم وتشويه بلا ضفاف.. ثقافة تتطاول على كل المقامات وتقدم التزوير عقائد وعبادات وتواريخ وسياسات؟ ممارساتها النازية البشعة ضد العرب المسلمين في فلسطين هي "دفاع" عن النفس تتبناه محافل دولية مثل مجلس الأمن الدولي الذي يُحرَّك ليدين الضحية وتبرئة الجلاد.. ويغضي عن العدوان والقهر والحصار والعقوبات الجماعية لشعب بأكمله، ويتغاضى عن القتل والإبادة و"الهولوكوست .. الشوا..  المحرقة" نتيجة تزوير سياسي وإعلامي وثقافي، وانحياز منهجي، ورفع مصالح ومطامع فوق العدالة، وممالأة قوة عظمى يحركها الحقد فلا تدين قتل " إسرائيل" لمئة وعشرين فلسطينياً بينهم أطفال رضّع في سن العشرين يوماً وثلاثمة وخمسين جريحاً سقطوا جميعاً في أسبوع واحد.. كان من قبله وفي أثنائه ومن بعده حصار قاهر يحصد الناس أجساداً وإرادات..

دولة الإرهاب الأولى تغزو الثقافة اليوم في باريس بمفاهيم ومصطلحات وسياسات ومعلومات تفسد الحقائق والأخلاق والتاريخ، ومن ثم تفسد الإبداع والفكر وإنسانية الثقافة..

ومن عجب أن الإرهابي العريق شمعون بيريس الذي مازالت يداه تقطران من دم أطفال لبنان في "قانا" الأولى، ومؤسس المشروع النووي " الإسرائيلي" عام 1956 بدعم فرنسي إثر شراكة في العدوان الثلاثي على مصر " حرب السويس 1956" ، المشروع الذي قال إنه أفضل سلاح قدم " لإسرائيل" على الإطلاق، أي السلاح النووي الذي يهددنا بالدمار وتنشر مفاعلاته النووية، مثل ديمونة، أشعتها الفتاكة بسرية ويمنع الحديث عنها بأوامر أميركية.. أقول من عجب أن شمعون بيريس يمثل في معرض للثقافة مهزلة تفسد قيم الثقافة والمفاهيم السليمة مرتين.. مرة بحمله جائزة نوبل للسلام وهو مجرم الحرب الموصوف الذي عطل الكثير من فرص السلام، ويرأس " دولة عنصرية إرهابية تسبح في دم أبناء فلسطين"، وتبقى فوق القانون والمساءلة والمحاسبة.. دولة هي الأشد خطراً على الأمن والسلام في العالم.

ومرة بمشاركته الرسمية في افتتاح مناسبة ثقافية عالية المكانة يجب ألا يعتلي فيها رأس الهرم مجرمون وقتلة أطفال وممثلون للعنصرية والكراهية والحقد والنازية الجديدة والتزوير التاريخي المستمر.

نقول يجب ألا يحدث ذلك.. ولكن نقوله.. لمن؟ هل للرئيس الفرنسي ساركوزي الذي وصف " إسرائيل" بأنها معجزة القرن العشرين، ويجترح كل يوم معجزات لدعمها ومساندتها وغسل دم أطفال غزة عن وجهها، وها هو يلبسها في عاصمة الأزياء زياً فرنسياً وقناعاً ثقافياً في محفل عالمي ليخفي الدم والجريمة والعنصرية والإرهاب أو ليباركهما؟!.. ليس في عمل فرنسا ساركوزي أي استفزاز أو غرابة.. فالرجل الذي وصل إلى قصر الأليزيه لا يؤكد انحيازه إلى " إسرائيل" بهذا التصرف بل يعلن انتماءه واستعادة ملامح هويته الروحية.. فجده اليهودي انتصر على أبيه المسيحي.. وأصبحت فرنسا الكاثوليكية تلمودية في الإليزيه على يدي رئيسها ذي الأصول اليهودية البولندية... هل نقوله لأنفسنا ونحن في حالة غضب ليهبط مستوى الانفعال؟  أم نقوله ليسمعه عالم لا يسمع إلا وفق شروط ومناخ ومعطيات منها القوة.. أم نقوله لمجرد القول ولكي نقول من باب رفع العتب: قلنا!؟

باريس تستضيف في معرضها ضيف شرف " بلا شرف" ولباريس موقفها وموقعها وشرفها.. إن باريس التي تستضيف الكيان الصهيوني في معرض الكتاب هذا العام ـ عام حصار غزة وهولوكوست مدنييها وأطفالها وإبادتها البطيئة الذي أعلنه الإرهابي الصهيوني فلنائي.. وهو محرقة الإنسانية والقيم والحريات الأساسية والحقوق المدنية للإنسان وعلى رأسها الحق في الحياة ـ مطالبة بخطوة أخلاقية في المجال الإنساني والثقافي والقانوني لا أظن أنها تتجرأ على القيام بها.. خطوة تشكل تحدياً كبيراً لمكانتها الثقافية.. وهي خطوة من شقين:

ـ أن تسمح بتقديم حقائق المذابح والمحارق " الهولوكوست" الصهيونية المستمرة منذ عقود ضد الشعب الفلسطيني في المعرض ذاته ومن قبل باحثين وشهود وضحايا، بأساليب وإمكانيات وتسهيلات مناسبة.

ـ  أن تسمح بالبحث العلمي في موضوع "الهولوكوست" النازي ضد اليهود من دون تهديد ووعيد وعقوبات ومحاكمات، ومدخلها إلى ذلك أن تعلن عن إلغاء قانون كايسور ـ فابيوس الذي يحرم البحث العلمي في موضوع المحرقة، ويتهم من يقوم بذلك ويحاكمه ويغرمه ويسجنه؟ وهو قانون سيء الصيت فرضته على فرنسا عملياً منظمة بناي بريت " أبناء أو شباب العهد" الصهيونية الأميركية، وحوكم بموجبه المفكر الفرنسي روجيه غارودي، ولوحق بسببه الأب بيير ذو المكانة الروحية والاجتماعية لدى الفرنسيين الذي كانت باريس تحترمه.

إن هذه الخطوة في هذه المناسبة تشكل تحدياً أخلاقياً لفرنسا وإنصافاً حقيقياً لباريس حركة التنوير والعلمانية.. باريس  الحرية والمساواة والأخوة، باريس التاريخ والمكانة الثقافية. إن إعلان إلغاء قانون عنصري يمنع الوعي والبحث العلمي ويصادر الحرية وإعمال العقل، ويحاسب على فتح ملفات معينة تتصل بموضوع محدد هو "الهولوكوست".. إن ذلك الفعل شرف لمن يقوم به، وخطوة مناسبة على طريق " إنصاف ضيف المعرض وإنقاذه من ذاته المتورمة"؟ وهو أمر يتناسب مع حب الحقيقة والبحث عنها بمنهج علمي ومناصرتها، لأن من حق أي باحث وكاتب ومثقف ومبدع وقارئ ومتعامل مع الكلمة والكتاب والوثيقة والحدث الطازج والقديم المتعفن.. ومن حق الإنسان أن يعرف ويفكر ويبحث وأن يعبر عن رأيه وموقفه بحرية من دون خوف وملاحقات وتشويه وإرهاب فكري.. ومن دون محاكمات وفق قوانين عنصرية مثل القانون المشار إليه الذي فرضته منظمات صهيونية على فرنسا وعلى دول أوربية أخرى منها بريطانيا وسويسرا والنمسا.. إلخ وحوكم بموجبها علماء وباحثون ومؤرخون فحكم عليهم لأنهم فتحوا صفحات التاريخ ونظروا بمنطق واستقلالية وحرية رأي ومسؤولية علمية وعقل مفتوح.

فهل تفعل باريس ذلك.. أم أن اليهود قادرين على منعها من المس بالدجاجة التي تبيض لإسرائيل ذهباً.. أعني المحرقة وما يداخلها من تهويل وأكاذيب هي عوامل ابتزاز؟ إنه تحدٍ أخلاقي لفرنسا كما قلت.

تثير استضافة الكيان الصهيوني " ضيف شرف " في معرض باريس الدولي للكتاب هذا العام ضجة وردود فعل بين الناشرين والكتاب العرب عموماً والفلسطينيين خصوصاً، لأن ضيف " الشرف"  الثقافي في المعرض تقطر من كل ملمح من ملامحه دماء أطفال غزة التي لم تجف بعد، وتنتشر منه رائحة محرقتها المستمرة.

ويتوقف المدعوون للمشاركة في المعرض من العرب والراغبون في المشاركة والمتفرجون عليها.. عند أسئلة منها: هل نقاطع المعرض تسجيلاً لموقف أم نشارك فيه ونعلن موقفاً من داخله؟

في المقاطعة سلبية، وربما قدمها الإعلام الصهيوني والغربي على أنها هزيمة أو تصرف " غير حضاري "؟"، وفي المشاركة استهانة بالدم العربي البريء، واستفزاز للشعب الفلسطيني المقهور المحاصر الملاحق بالتصفيات الجسدية والتدمير.. وفي التساؤل بشقيه " المشارك والمقاطع" أعباء وتبعات أخلاقية بالدرجة الأولى.. لأن أحداً لن يقبل مسوِّغات أو ذرائع من أي نوع في ظل الحصار والقتل والعدوانية الصهيونية المستمرة التي تلقى تأييداً غربياً أعمى ودعماً مطلقاً.

ويلقي حدثان ساخنان آخران ظلالهما على المشهد السياسي والثقافي، الغربي ـ الإسلامي، في هذا الوقت، وقت انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي في داكار عاصمة السنغال، هما استفزازات الرسوم الكاريكاتيرية في الصحافة الدانمركية والشريط السينمائي المسيء للقرآن الذي سيعرضه برلماني بلجيكي، والحدثان يساندهما الأوربيون والأميركيون وتقف وراءهما عناصر يهودية ـ صهيونية، من بينها صهاينة البيت الأبيض وفيهم كثيرون من أمثال المتطرف دانيال بايبس، مستشار الرئيس بوش وصاحب التأثير على رسام الكاريكاتير الدانمركي الذي وضع ونشر الرسوم المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم.. الأمر الذي يعقد الأمور ويرفع درجة المسؤولية.

إن توجيه إهانات بالغة ومتتالية لمليار وثلاثمئة مليون مسلم في العالم، واستفزازهم بصفاقة من خلال الإساءة للقرآن والرسول، وتكريم من يذبح أطفالهم ويمارس إرهاباً دموياً عليهم.. كل ذلك لا يمكن أن يقبله العرب والمسلمون ولا أن يغفروا لمن يسكت عليه.. وهذه شؤون متصلة بالثقافة والقيم الروحية والبنى الاجتماعية من جهة وبقطاعات واسعة جداً من البشر من جهة أخرى.. فكيف يتم التعامل معها؟

إن أمر المشاركة أو المقاطعة يستويان إذا كان تأثيرهما في الحدث لا يكاد يذكر.. المهم من وجهة نظري هو التأثير والفاعلية والإقناع ومن ثم الوصول إلى نتيجة ملموسة تنعكس إيجابياً على قضيتنا وموقفنا وأمتنا حين نشارك أو نقاطع.. وهذه النتيجة المطلوبة ينبغي التحقق من القدرة على الوصول إليها.. إن الرسالة التي نريد إيصالها يجب أن تكون واضحة وقوية وقادرة على التأثير والتغيير.. فهل حسبنا ذلك جيداً وأعددنا له العدة كما ينبغي؟

أعتقد أننا ما زلنا نعيش انفعالات ردود الفعل الآنية التي تتأجج نارها فجأة وتنطفئ فجأة.

وتلك مشكلتنا الأولى بالمعالجة.

 أبو ظبي في 14/3/2008

علي عقلة عرسان

 

 

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |