| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

المطلوب مبادرة خلاقة وليس معجزة

قالت قمة شرم الشيخ الأخيرة 9/4/2008 التي عقدها العاهل السعودي والرئيس المصري "لا تقارب مع سورية الشقيقة إلا بعد حل مشكلة الرئاسة في لبنان"، وقالت الرئاسة السورية أمام القمة العربية في 29 آذار/ مارس الماضي ".. يضغطون علينا لنتدخل في الشأن اللبناني ولن نفعل ذلك، والحل في لبنان توافقي وبيد اللبنانيين الذين نحترم سيادتهم واستقلالهم التام ولهم مؤسساتهم، ويملكون من الوعي ما يمكنهم من تحقق ما هو في مصلحتهم..".. وتحت هذه الجغرافية السياسية الظاهرة تكمن جغرافية سياسية أخرى لها قوة تأثير ظاهرة وخفية على اللاعبين بتياراتهم ودرجاتهم المختلفة لكن لا يريد أي منهم أن يجعل حلفاءه تحت وطأة ما يرونه " غلباً أو تنازلاً". وقد أصبحت في الفضاء العربي والدولي دوامة اسمها "مشكلة الرئاسة اللبنانية" يطوف حداتها ودعاتها البلدان، و" مشكلة أخرى هي "مشكلة الخلاف بين فتح وحماس" لها نفس الشان، ونسي العالم أو كاد ينسى حصار غزة الخانق ومسلسل القتل الصهيوني لأبنائها، وحرائق أخرى أعظمها وأشدها دوامة النار والدمار والدم في العراق التي تدخل عامها السادس على وقع عنجهية بوش وجرائمه وأكاذيبه وهو يفتح باب الزمن لبقاء قوات الاحتلال الأميركية فيه لمدة غير محددة.

ودوي خلاف المختلفين هنا وهناك.. سواء أكان اسمهم " معارضة وموالاة" أو " مقاومة ومفاوضة" أو " دول ورئاسات".. يرسل غباره في كل اتجاه ولا يسمح بالرؤية الواضحة والسير على طريق توصل إلى هدف قومي نظيف. وما من شك في أن هذا الوضع لا يريح أحداً لا في لبنان ولا في فلسطين ولا في العراق ولا في أي من البلاد العربية كلها، ومن المؤكد أنه يريح أعداء العرب وعلى رأسهم الكيان الصهيوني وحليفه الأميركي اللذين يلعبان بمقدرات كثيرين في الوطن العربي، ويريدان أن يفرضا حضوراً وهيمنة وسياسة وتوجهاً وحلولاً تخدم مصالحهما واستراتيجياتهما وتكون وفق وجهة نظرهما، وتؤمن مصالحهما على حساب العرب كلهم إلى مدى غير منظور. وهناك حقائق ووقائع ومعطيات على الأرض تجعل العرب تربة صالحة لاستنبات الزؤان الأميركي بدل القمح العربي في حقولنا.. فمن المؤكد أن عرباً من العرب لا يريدون أن يرفع الأميركيون يدهم عن لبنان أو فلسطين العراق أو.. أو عن الأمة.. لأن في ذلك بقاء أو حياة أو موت أنظمة وأشخاص، ومن المؤكد أيضاً أن عرباً من العرب لا يريدون أن يتدخل الأميركيون والصهاينة والغربيون في شؤون المنطقة ولا أن يكونوا سنداً لفريق عربي ضد فريق ولا أن ينهبوا ويكسبوا في الأحوال كلها على حساب الأمة كلها، ويرون في التدخل ومن يطلبه أو يرتاح له مصيبة المصائب لأنه على الأقل يجعل العربي يفتح باب الضعف على أخيه العربي ويفقد الأمة غرادة وقراراً..

وتستمر الدوامة في العصف وغبارها يملأ الحلوق، بينما الأشقاء "المسؤولون" يبتسم بعضهم لبعض برصانة من تحت القناع أو اللثام، و"كل منهم" يخفي خنجراً بطريقة ما ويتحين فرصة ليغرسه في ظهر شقيقه إن لم يستطع أن يغرسه في قلبه.

في هذا الظرف العصيب الذي تأكل فيه الخلافات العربية ـ العربية وجه الأمة وتأكل قدراتها وتضائل من رأيها ورؤيتها وإرادتها.. ويكاد الحصار المتنامي يخرج الغزاويين من جلودهم ويلقيهم في تيه الخيارات وشعاب الصراعات على بوابة محمية بالدبابات وأخرى بالبنادق والأوامر القاتلة.. وفي هذا الوقت الذي  يستمر فيه إرهاب الدولة الصهيوني يقتل أبناء الشعب الفلسطيني ويقضم ما تبقى من أرض فلسطين ويهود القدس.. ويقوم جيش دولة الإرهاب والاحتلال بأكبر مناورات تحمل التهديد ونذر الشر للمقاومة اللبنانية والفلسطينية ولسورية على وجه التخصيص، وتقف فيه حرب محتملة على الأبواب.. في هذا الوقت نحتاج إلى حكمة القادة العرب وترفّعهم عن الخلافات.. نحتاج رؤيتهم وشجاعتهم وحسهم العالي بالمسؤولية وإلى مبادراتهم الخلاقة ليخرج الوضع العربي من الأزمة إلى الانفراج ومن المحنة إلى الامتحان ومن الضيق إلى أمل بالفرج.

في الماضي كان ما أسميه "المثلث الذهبي.. مصر وسورية والسعودية" يقوم بما يشبه الرافعة وبيضة القبان في العمل العربي وحل الخلافات وترجيح المواقف، وكان يحسم بمسؤولية كثيراً من المواقف لمصلحة الأمة أو يحد من تدهور وضع بين بلدين أو موقف لا يخدم أحداً.. لكنا اليوم أمام خلل في هذه العلاقة ينعكس سلبياً على أضلاع المثلث الذي لم يعد لا ذهبياً ولا رصاصياً حتى.. خلل ينعكس على الأوضاع العربية كلها.. ونجد أن موقف كل من الرئاسات المعنية والأطراف المتشابكة معها "لبنانية وفلسطينية وعراقية.. إلخ في هذا الشأن أو ذاك يزداد استعصاء ويشير إلى مرحلة جديدة من التصرف تنذر بتطرف في المواقف ومن ثم إلى سلبية في الانعكاسات والنتائج.. وهذا يزيد الطين بلة ويهيئ التربة العربية للتشقق والتسبب في استنبات المزيد من التمزق والصراع وربما إلى استنبات الفتنة. ومن المؤكد أن هذا لا يوجد حلاً ولا يساعد أحداً، ويخلق المناخ الذي يلائم العدو والعدوان، ويمكن المحتل الصهيوني والأميركي من ترسيخ وجوده والاستمرار في النهب والسلب والقتل والممارسات الإجرامية. 

ولنا أن نتساءل ونحن في هذا الوضع وليس لنا إلا من أنفسنا منقذاً ومعيناً: ما الذي يحول بين قادتنا المعنيين في المثلث المشار إليه أو قادتنا العرب الآخرين، وبين مبادرة خلاقة تجمع القادة الثلاثة الملك عبد الله والرئيس مبارك والرئيس الأسد في قمة تؤدي إلى توافق واتفاق نخرج بعدها من هذه الأزمة التي طالت وأخذت تلقي شررها إلى ما هو أبعد من إطارها الجغرافي والسياسي؟ وما الذي يمنع أحد القادة الثلاثة من رفع المصلحة العربية الأعلى فوق كل مصلحة أخرى، لكي تسود رؤية وإرادة عربيتان يحل بموجبهما عرب الجامعة في بيروت محل سفراء الدول الأجنبية الذين يحرثون السهل والجبل ويزرعون الخلافات والضعف والموت هنا وهناك ويعيثون فساداً وإفساداً في مجتمعنا، ولكي يكون للبنان وضع يساعد على الحل والوئام.. ومن ثم قرار واستقرار قابلان للاستمرار.. ويكون للشعب الفلسطيني وضع أفضل مما هو فيه، ومن ثم تلتفت الأمة إلى مسؤولياتها في العراق الذي طالت معاناة شعبه، وفي السودان والصومال وبقاع أخرى فيها اضطرابات ومجاعات وتدخلات خارجية؟

 إن قراءة التقاطعات السياسية في محاور مشكلات لبنان وفلسطين والعراق تشير إلى عمق التدخل الأميركي الصهيوني خاصة والغربي عامة في شؤوننا العربية وإلى تعاظم النفوذ الخارجي في ساحات قرار ومساحات رأي وأرض من جهة وإلى استفحال تناقضات العرب في مواقف يجب أن تكون متقاربة إذا تعذر توافقها التام من جهة أخرى.. وقراءة تلك التقاطعات تشير أيضاً إلى أن هناك جامعاً واحداً بين تلك المحاور هو.. استهداف المقاومة " لبنانية وفلسطينية وعراقية" واستهداف أية درجة من درجات لتضامن والتفاهم والتعاون العربي، وكل من يقف موقفاً مناصراً للمقاومة أو للاتفاق والتعاون الجاد، وكل ذلك يبقى ويستر وترتفع وتيرته لكي يمر قرار أو حل أو يستقر وضع وفق الرؤية الصهيونية ـ الأميركية على حساب العرب لا يخدم الأمة ولا أي قطر من أقطارها، لأن ذاك الحل يجيء على حساب قضايا وحقوق وأطراف عربية على رأسها حق الشعب الفلسطيني وموقف المقاومة من الاحتلال.

إن البحث عن استقرار لا يكون بذر الرماد فوق الجمر، وجعل الماء يرين على المظلومين والمقهورين، ولا يكون بالقفز فوق الوقائع والحقائق والحقوق، ولا يكون بالتوافق مع رؤية العدو الصهيوني والتعاون الخفي أو المعلن معه، ولا باعتماد الموقف الأميركي الذي طالما شربنا مر صابه طوال عقود من الزمن، وهو موقف ينز منه الحقد والعداء والانحياز ضد العرب والمسلمين.. ولا يكون الاستقرار بفرض القوة والقمع والقهر.. لأن من يتعرض للقهر اليوم أو يغلب على موقفه سواء أكان من بقوة الداخل أو باستعداء الخارجي أو بعدوان خارجي سوف يمتشق سلاحه في وقت لاحق ليرفع القهر عن نفسه ويستعيد حقاً أو مكانة أو كرامة أو حرية واستقلالاً.. الأمر الذي يجعل النار مستمرة الاشتعال، تتوهج هنا وتكمد هناك ولكنها تبقى تعس تحت الرماد.

إن قيادة كل من مصر والسعودية وسورية مؤهلة لمبادرة خلاقة، وكل منها تتحمل مسؤولية عدم القيام بمبادرة خلاقة من شأنها أن تضع حداً للخلاف المعلن فيما بينها، ومن ثم تمهيد التربة ودعوة الأطراف العربية المتأثرة بخلافاتها إلى اتفاق. إن توحيد رؤية قادة هذه الدول حول موضوع لبنان وفلسطين، سواء بمبادرة أحدهم أو بمبادرة قيادات عربية أخرى، سوف يساهم في انتخاب رئيس توافقي للبنان وفي إخماد نار الخلاف الطويل هناك، كما يساهم في إنجاح مبادرة اليمن باتجاه حماس وفتح، وفي رأب صدع حاد بين أبناء شعبنا الفلسطيني ينفذ منه الجلاد إلى قلب شعبنا وصلب قضيته العادلة.. كما أنه سيجعل الأمة تلتفت لقضية العراق التي طال أمدها وغارت جراحها في القلوب. ومن يبادر في هذا الاتجاه سيكون الرابح ولن يخسر على المدى البعيد حتى لو خسر جزئية موقف أو مصلحة على المدى القريب.. فهل لنا أن ننهي بالحكمة والقدرة والمسؤولية خلافات وخصومات ضارة بنا تتم بالأصالة أو بالوكالة وندفع ثمنها في الحالتين، لكي نقيم وضعاً سليماً مستقراً في منطقة من وطننا العربي تنطلق عدواه إلى مناطق أخرى؟ والمطلوب مبادرة خلاقة وليس معجزة.

     ذلك ما نتطلع إليه وهو يرفع القادة إلى درجة أعلى في نظر الشعب، ويسجل مواقفهم في صفحات ناصعة من التاريخ، وليس عليهم بعزيز.

وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون.

 دمشق في 11/4/2008

 علي عقلة عرسان

 

 

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |