| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

مع غزة وحماس

حماس تدفع ضريبة الدم ونحن نتفرج على تشييع الشهداء، وغزة محاصرة ومنذرة بالكارثة ونحن نتفرج على جراحها النازفة ونسمع نداء نسائها وأطفالها ونصم الآذان ونغمض العيون حتى لا نسمع ولا نرى.. ويقولون إن حماس تتحمل المسؤولية عن ذلك الذي يجري للناس في غزة؟ ويلومونها لأنها تعلن بأن غزة ستقلب الطاولة على الجميع قبل أن يلحقوا بها الكارثة؟.. حماس حركة جهاد ومقاومة وسلطة، وسوف تنافس على تولي مقاليد سلطة في قادم الأيام والشهور.

في مرج الزهور على سفوح بعض جبال لبنان، يوم أبعد الكيان الصهيوني مئات من الفلسطينيين، معظمهم من حركة حماس، عن بلدهم وأبقاهم في خيام يغمرها الثلج والبرد تحت سمع العالم البليد وبصره القاصر الذي يراهم ولا يتحرك لتخليصهم مما هم فيه من مأساة.. في ذلك الموقع الذي زرته وقابلت فيه عدداً من قيادات الناس فيه التي أصبحت فيما بعد قيادات بارزة في الحركة، توطدت متابعتي لجهود حماس وجهادها، وأخذت أتابع علمياتها ومواقفها وبعض أدبياتها أكثر مما أتابع الفصائل أخرى كنت أتابعها. وفي الانتفاضة لفتت حماس الأنظار وقدمت الكثير، وبعد ذلك أخذت تقدم الشهداء بعد الشهداء والرموز القيادية بعد الرموز دفاعاً عن قضية عادلة ورؤية بعيدة ومبدأ ثابت، وكنت أجد أن ذلك يلتقي مع رؤيتي للقضية ونهج التحرير الذي لا أرى نهجاً سواه لمعالجة قضية العرب المركزية، قضية فلسطين.

حماس كونت نهجاً واضحاً ودعمت مصداقيتها بأداء يستند إلى عقيدة وإيمان وصلابة نضالية وسلوك، واستطاعت أن تكسب الشعب الفلسطيني وشرائح عربية وإسلامية واسعة من خلال ترسيخ المصداقية النضالية والاجتماعية.

وعندما أستعرض رموز حماس وشهداءها ومواقفها وما قدمته على مدى سنوات طويلة أجد أنها قامت بشيء يستحق التقدير ولم تبخل بأي شيء تستطيع تقديمه، وسجلت نهوضاً بالقضية والأمة في وقت تردت فيه أوضاع القضية والأمة كثيراً ووصلت إلى درك أوسلو وأخواتها وما هو أبعد من ذلك في التهافت. وحماس حركة تتطلع إلى تحرير فلسطين، وإلى أنموذج حكم إسلامي ديمقراطي منفتح، وإلى أداء رسالة أوسع من مدى قطري ضيق تحرص عليه أحزاب وتنظيمات وأنظمة.. وهذا يرتب عليها مسؤوليات أكبر مما يمكن أن تراه عندما تحصر نفسها في مهام فصيل فلسطيني يقاتل ويبحث عن سلطة أو عن مكان في السلطة، ويركز عليها الأنظار والجهود المضادة لها لأن لانتصارها ما بعده من معطيات ووقائع ومشكلات، ولأن لحضورها تأثير أكبر من المشاهد بالعين المجردة.

حين وصلت حماس إلى أكثرية نيابية في الانتخابات الفلسطينية وقفت في ذروة معينة من ذرى نضالها وأخذت تتعرض لضغط وإغراء، ضغط من جهات وتنظيمات متعاطفة معها وتأثير أفكار وآراء من داخل تنظيمها الذي قطف بعض ثمار نضاله وعزز ثقة الشعب الفلسطيني به بنتيجة الفوز، وإغراء بسلطة تشكل أنموذجاً ورافعة لمن يعنيهم خط حماس العقائدي والنضالي الذي يحتاج أنموذجه المنشود إلى فرصة للظهور والاختبار.

 لقد فازت حماس بثقة الشعب الفلسطيني لجهادها ومبدئيتها ومصداقية تنظيرها وتضحياتها، وفازت أيضاً لأن الآخرين وصلوا إلى مرحلة مؤسفة من الانهيار في مستوى التطلعات والممارسات والانبهار الكلي أو الانخداع الشامل بالعدو وحلفائه، ولم تعد ثقة الناخب الفلسطيني بهم كافية لجعلهم يتابعون تحمل المسؤولية، ولأن  فساداً كبيراً أصاب مفاصل كثيرة من مفاصل حركتهم وسلطتهم بإصابات قاتلة، وذاك الفوز الكاسح جعل الدم والدخان يتصاعدان نحو الكثير من الرؤوس ويؤثران في التقدير والتدبير والتوجه.

 لم أكن مع تولي حماس مقاليد السلطة، لأن السلطة هي بالدرجة الأولى سلطة أوسلو التي رفضتها حماس وقاومتها واكتسبت شعبية ومصداقية من خلال رفضها لها وكشفها لعوراتها وتمسكها بالمبدئية النضالية التي خرج عليها من اختاروا أوسلو.. ولأنها سلطة مكبلة باتفاقيات دولية وباعتراف بالعدو الصهيوني المحتل وأصول تعامل معه.. ومن يتولى سلطة بهذه المواصفات لا بد أن يدخل فيما لا يرضيه من التزاماتها وقيودها ومواقفها وخياراتها.. لم أكن مع تولي حماس السلطة لأن المقاومة غير السلطة، ولأن السلطة ترتب على أهلها في هذه الظروف وحسب السياق السياسي الذي أقامها أن تتعامل وفق معطيات وأسس والتزامات لا تتوافق مع خط المقاومة عامة والأهداف التي ترفعها حماس خاصة.. كنت مع أن تمارس حماس دور الأكثرية النيابية في معارضة من خلال المجلس الذي فازت بالأكثرية فيه، وأن تمنح ثقة لحكومة أو وزير أو تحجب ثقة محافظة على نهج يميزها، تحاسب أو تطلب المحاسبة، تعطل ما هو ليس في صالح الشعب الفلسطيني والقضية وتدفع باتجاه التمسك بالحقوق والمبادئ والثوابت، وتعمل من داخل البيت في مساحات صنع القرار المناسب، وتتنصل من المسؤولية التاريخية عن كل ما لا يرضيها ولا توافق عليه، وفي الوقت ذاته تستمر في تقديم الخدمات النوعية للشعب الفلسطيني وبناء مؤسساتها وذاتها وقدراتها وترفع بندقية المقاومة من دون التزام أو إلزام سياسي يضيق عليها في أداء عملها أو في خياراتها وتوجهاتها.. وكنت أتطلع إلى أن تقوم حماس بتسجيل مزيد من الكسب الجماهير التنظيمي على مستويات فلسطينية وعربية وإسلامية لتصبح أقوى بكل المعاني والمقاييس، وأن تمتلك معرفة علمية وتقنية ومعلوماتية أرفع مما تملك ومما يملك العدو تفيدها في مواجهتها، وأن تملك أيضاً عدداً وأجهزة ومعدات ومعرفة عسكرية أكبر وأدق وأكثر، وأن تبقى في دائرة إدراك أنها بمواجهة عدو لا يستهان به ولا بقدراته، وأن تحالفات ذلك العدو واسعة وتشمل جهات فلسطينية وعربية وإسلامية، وأن له حزمة من العملاء والأدوات، وأنه يتبع من الأساليب ما لا يمكن أن تسقط إليه ، وأنها على الرغم من ذلك كله لا بد أن تصمد في وجهه وأن تتصدى لملاحقاته ومشاريعه.

كنت أنطلق في رأيي ذاك من واقعية إنها حين تستلم السلطة تتحمل مسؤولية الحكم وتصبح مسؤولة عن خدمات ليست مؤهلة للقيام بها من جهة وسوف تحرفها عن أهدافها وأعمالها تحت الضغط اليومي والمسؤولية الاجتماعية ـ السياسية، وسوف يحولها ذلك إلى مواجهة مع جهات طامعة في السلطة ومنافعها ومع الشعب الذي هو حاضنتها ودرعها وهي أمله. وفي ذلك الموقع، موقع السلطة، لا تستطيع أن تقول لا لكل ما تراه لا يحفظ وجودها ويخدم توجهاتها أو يجبرها على خيارات ليست في مصلحة قضية فلسطين وشعبها ولا في مصلحة الأمة وما ينفعها ويحررها ويثبت إرادتها الحرة ومواقفها الوطنية والقومية، وسوف تنغمس أو تغمَس فيما لا يلائم ظروفها ومنهجها. كنت أريد لحماس أن تستمر في توهج ثورتها وانتشارها بين الجماهير بوصفها حركة مقاومة تستقطب الرأي العام وتقدم ضريبة الدم وتثبت على الخيارات الصحيحة وتجاهد من أجل عدالة وحرية وحق، وتوصل للعالم صوت فلسطين من منظور غير المنظور الذي وصل قبل انتفاضتها.

لم أكن مع تولي حماس لسلطة أوسلو وكنت أقدر أن ذلك سيعود عليها بالكثير مما لا ترغب فيه، وأنها سوف تقف على مفرق خيارات صعبة.. بين أن تكون ثورة تحرير أو أن تكون سلطة محكومة بوضع فلسطيني وعربي ودولي لا يقبلها ولا يتعاون معها إلا إذا تنازلت عن مطالبها وخياراتها ومبدئيتها وفرطت بتاريخها وبحقوق شعبها وقبلت بما لا تطيق.. وإلا فهي بنظرهم الإرهاب والتخريب ولا بد من محاصرتها وتحميلها ما لا تحتمل ووضع الناس ضدها وضربها حتى تلين أو تفشل. إن حماس التي فازت بالانتخابات الفلسطينية ليست مقبولة عند أي من أعدائها أو حلفائهم ولا عند أي من العرب الذين ينظرون للحركات الإسلامية نظرة مريبة، ويرفضونها حتى لو انتصرت وحررت وقدمت الدم وحملت مشعل الأمة وأضاءت دروب الأمة في عتمة لياليها، وسوف ينصبون لها الفخاخ ويتصيدون لها الأخطاء ويعملون على إغراقها يغرقوها في دمها ليتخلصوا منها ومن توجه تمثله يرونه خطراً عليهم.. وكنت أرى أن ليس من مصلحتها وهي في طريقها الصعب ومراحل تكوين الذات والقوة والأدوات أن تضع نفسها بمواجهة هذا الكم من الخصوم والمسؤوليات.

حماس ما زالت الآن تقاوم تحت الحصار، وتدفع ضريبة عالية جداً ويشاركها أهل غزة كلهم في ببطولة وشجاعة وتضحية عالية بكل ما يرتبه أعداء المقاومة لحركة بارزة من حركات المقاومة ذات خط فكري وعقائدي مغاير للحاكم المتحكم، وقد حققت حماس هزيمة الاحتلال وانسحابه من غزة التي كان يتمنى التخلص منها حتى لو أغرقها البحر، ولا يجرؤ على الدخول إليها لأنه لا يطيق تكاليف ذلك.. وحماس اصطدمت أو اضطرت للاصطدام مع عناصر من فتح ـ ولا أقول مع فتح إذ هناك من كان يقاتل وما زال على استعداد لقتال العدو بتنسيق معها مثل صقور فتح وحملة بندقيتها التاريخية ـ ومع مشروع تصفوي وراءه الصهاينة والأميركيون ومن يعمل معهم من خلال منسقين عسكريين أميركيين، وقد قلبت الطاولة على من كان يعد لقلب الطاولة عليها.. وأحدث ذلك انشقاقاً وشرخاً عميقاً في العلاقات لم يزل مستعصياً على مبادرات العرب، وهو على خطورته وكراهتنا له أهون من حرب أهلية فلسطينية يخطط لها الكيان الصهيوني والأميركيون وحلفاؤهم ويطلبونها بل يشترطونها لإنهاء المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حماس، عملاً بالبند الأول من خطة خريطة طريق الفتنة التي تشترط القضاء على المقاومة  الفلسطينية التي تسميها تلك الجهات إرهاباً، ليبدأ من بعد ذلك خطو أول آخر في طريق الخريطة البائسة التي لن تفضي إلى شيء.

إن ذلك رتب شيئاً سيئاً وخطيراً في الساحة الفلسطينية، بصرف النظر عن التفاصيل والأسباب والمسؤوليات، وبصرف النظر أيضاً عن مقاربة حقيقة أن ما حدث كانت تُعدّ الساحة لحدوثه من طرف آخر بإرادة صهيونية ـ أميركية ـ أوربية ـ تتلاقى مع إرادة فلسطينيين ذهبت منها سلطة يحرص كثيرون من عناصرها على التمسك بها وصولاً إلى منافع شتى تهم فريقاً ممن أدمنوا السلطة ربما أكثر من أي شيء آخر، وتردف أولئك أو تؤيدهم فيما يذهبون إليه بعض الجهات العربية التي ترفض المقاومة وتسميها إرهاباً وتريد أن تصفيها وتصفي من يدعمها عربياً وإسلامياً، وتساهم في حصارها تحت ذرائع شتى.

حماس الآن في غزة سلطة مسيطرة، مقاتِلة ومحاصَرة، ويُراد لها أن تخسر الشعب وأن تستسلم وإلا صفيت مادياً ومعنوياً وخرجت من دائرة الوجود الحي المقاوم، ولكن حماس التي تتحمل مسؤولية مليون ونصف مليون فلسطيني محاصرين في غزة تكسب الشعب حتى الآن، وتصمد وتقاوم، وترفع الصوت ليسمع العالم بما يحل بغزة من كوارث من جراء الحصار والعدوان الصهيونيين والصمت الدولي والعربي المريع الذي يحيط بوضعها، حماس ليست في وضع سهل على الإطلاق لا هي ولا فصائل المقاومة الأخرى في غزة، وعبء الناس عليها ثقيل ثقيل، وهي في حالة توهج جهادي ولكنها بنظر بعض الناس ليست في الوضع الذي كانت عليه قبل تسلمها السلطة وغرقها في شؤون الحكم وشجونه، لكنها انتقلت إلى دائرة اهتمام سياسي أوسع بوجودها وقدرتها على التأثير، وهناك اعتراف بأهميتها ومكانتها ودورها وبعدم واقعية تجاوزها في أية توجهات لقضية الشعب الفلسطيني من أي وقت مضى، وما لقاءات قادة حماس واستقبال زعمائها في العالم، ولقاء زعماء ورؤساء سابقين بقادتها ، منهم الريس جيمي كارتر في القاهرة ودمشق، إلا اعتراف بسقوط  وإفلاس السياسة " الإسرائيلية ـ الأميركية" التي تريد أن تجردها من صفة المقاومة المشروعة وتضفي عليها صفة الإرهاب، فتلك اللقاءات اعتراف صريح حتى من زاوية أميركية معينة بأن المقاومة حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى التي تتصدى للاحتلال الصهيوني مقاومة مشروعة، وأنها حركات تحرر تتعلق بالحرية والاستقلال وتدافع عن نفسها وحقها المشروع في الحرية والحياة. وحماس أثبتت أنها تقارب نصف الحل ونصف القوة ونصف المشكلة فيما يتعلق بالقضية والمنظمة والسلطة والمشكلات الفصائلية، ومن ثم لا يمكن القفز فوق دورها، كما لا يمكن أن تكون هي المركز الذي يستقطب الكل ويشكل الوزن النوعي في أطراف القضية فتهمش الآخرين.. وقد طورت حماس قدراتها السياسية والقتالية نسبياً، وهي تتصدى مع فصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى لمخططات وقوى تريد أن تجتثها وتنهيها تماماً، ولكن يبدو أن تلك القوى تعجز عن تحقيق ذلك.

وحماس طرف في الدعوة لحوار فلسطيني ـ فلسطيني للوصول إلى اتفاق غير مسموح به، ولا يسمح لأطراف فيه أن تُقبل عليه.. مثلما هو غير مسموح " للأسى والأسف" بأن يكرم الرئيس عباس مناضلات فلسطينيات في سجون الاحتلال، ويضطر لسحب أوسمة تم الإعلان عن منحها لهن.. وتوعد المسؤولون الصهاينة بأن يسائلوه عن هذه الغلطة الفاحشة؟؟ حماس في مأزق والمقاومة في مأزق وسلطة عباس في مأزق وقضية فلسطين في مأزق مستجد كما هو شأنها منذ عقود من الزمن.. وبعض العرب "خارج كل مأزق" لأنهم ابتعدوا عن ترف " شرف دعم المقاومة والقضية" واختاروا أن يكونوا عملة معوَّمة في زمن انهيار الدولار، يبيعون ويشترون في سوق السياسة ما تيسر بما تيسر.

كيف السبيل إلى الخروج من سلسلة المآزق تلك؟ ليس هنا مجال التفصيل في الكلام حول ذلك.. إضافة إلى حقيقة أن تخيل الحلول وتقديمها على الورق لا يعني سوى شيء واحد مجرب يتلخص في أنه لا يلمس حقائق الواقع ولا يلغي ما في النفوس ولا ما يوضع من عوائق ومتاريس، ولا يستطيع أن يجعل الناس المعنيين يتخلون عما في نفوسهم من أمراض وأعراض وثارات وتطلعات وطموحات ضيقة في كثير من الأحول.. إننا لا نتعامل مع ملائكة بل مع بشر ولدينا علاقات ووقائع ومعطيات ومصالح على الأرض، ونتحرك  في مساحات اجتماعية ونضالية وفصائلية يزنّرها الدم في بعض الحالات وتعيش على الثأر ولا تُحل مشكلاتها بالتمني ولا بتقديم التنظير التخيلي والاقتراحات على الورق.

حماس ليست اليوم في صلب تكوين منظمة التحرير الفلسطينية المعتمَدة فلسطينياً وعربياً ودولياً بوصفها ممثلاً للشعب الفلسطيني وطرفاً رئيساً، أو الطرف الوحيد، في التفاوض والحل والعقد والربط والتقدير والتقرير، والمنظمة اليوم ليست بيتاً لجميع الفلسطينيين كما ينبغي أن تكون، وهي ذاتها في مآزق منذ تم التجاوز عليها وعلى  ميثاقها، فالسلطة عملياً هي مرجعية أعلى من سلطة المنظمة النظرية.

وعلى حماس النظر في حقائق الأمور كما هي، وفيما يرتبه عليها خيارها المبدئي الصعب من مسؤوليات وتبعات وتكاليف، ومن ثم عليها أن ترتب الكثير في بيتها الخاص وفي البيت الفلسطيني المقاوِم وفي البيت الفلسطيني العام في داخل فلسطين وفي الشتات، وأن تستمر في سلامة الرؤية والخيارات والنهج، وفي الاستعداد والإعداد لمواجهة الاحتمالات كافة. وكل هذا يحتاج إلى معرفة واسعة وعميقة بالأمور والأشخاص والتوجهات، وإلى ملاءة مالية تحفظ استقلالية القرار والإرادة والرؤية، وإلى حوار وصلات ومواقف مع الأطراف المعنية على الصعد والمستويات كافة " فلسطينياً وعربياً وإسلامياً ودولياً"، وأول تلك المستويات مستوى منظمة التحرير التي لا بد من إعادة ترتيب بيتها وهيكلتها لتضم حماس وغيرها من الفصائل الفلسطينية، وأن تعود إلى جوهر ميثاقها لتكون هناك مرجعية موحدة ومعالم نهج متفق عليه واستراتيجية ومبدئية ثابتة وواضحة وأهداف وبرامج نضال على طريق تحقيق الأهداف بنفَس طويل طويل طويل.. لا يوجد حل على حساب العدل، ولن تعطي الاتفاقيات من أوسلو إلى آخر حلقة في مفاوضات ليفني أولمرت مع المفاوض الفلسطيني، لن تعطي أي نتيجة، العدو المحتل يتمسك بالقدس والمستوطنات والتوسّع الاستيطاني وجدار العزل العنصري والتهويد ويرفض حق العودة وكل معاني السيادة لدولة فلسطين المنتظرة.. ويريد حرباً أهلية فلسطينية فلسطينية لاستكمال تصفية المقاومة ومن يقول لها، أو يستمر في استخدام التفويض الممنوح لها بالصمت المعلن ليكمل التصفيات.  العدو وحليفه الأميركي لن يعطيا شيئاً مما هو في صلب القضية والحقوق.. وبعد إفلاس ظاهر لجهود العرب وعروضهم التي تضمنها قرار قمة بيروت 2002 قرروا في قمة دمشق أن يعيدوا التقييم والبحث.. والنتائج معروفة سلفاً.. العدو لن يعطي شيئاً ولن يحصل الشعب الفلسطيني على " السلام" اليهودي إلا إذا أصبح مستعداً لابتلاع الوهم بجرعات خيالية ورأى أن الفتات الذي يمكن أن يحصل عليه مكسب نضالي كبير..

كلام بوش كذب ووعوده سراب وخداع، وكل ما يبنى على ذلك وهم لأن المقصود الاستمرار في تنفيذ مسلسل الإبادة، والقضاء على روح المقاومة، وتفتيت الأمة، وكسب الوقت، ووعوده إذا تحققت أصلاً  هي احتيال على الشعب الفلسطيني لسرقة ما تبقى له من أرض وحقوق.. وأية حكومة أميركية تأتي بعد إدارته هي مثل حكومته  أو أسوأ منها، وإليكم ما فعله الكونغرس الأميركي مؤخراً بشأن القدس وحق العودة..

" إسرائيل" سوف تأخذ اعترافاً وتطبيعاً مجانيين من معظم الدول العربية، وهي تحصل على بعض ذلك الآن وتستثمره.. فلنتذكر أن بيريس وليفني كانا في الدوحة قبل أيام وقابلا وزراء خارجية من دول عربية هناك  بينما يستمر خنق غزة وقتل أطفالها وإلحاق الكارثة الشاملة بسكانها.. وأولمرت يتابع توسيع المستوطنات وبناء أخرى جديدة في الضفة الغربية، وقوة والشاباك تصفي من تريد من الفلسطينيين مادياً أو معنوياً، ليس لأن قوتها بلا حدود وذراعها طائلة كما كنا نقول، بل لأن فلسطينيين وعرباً يتواطؤون معها على ذلك، ويوافقون على عدوانها وتصفياتها، ويسكتون على حصارها، ويستقبلون مسؤوليها بالأحضان، ولا يواجهونها بما ينبغي من مواقف.. وما يجري في غزة ولأهلها خير دليل على ذلك.

يبقى أمام حماس في وضعها الحالي، وهي أنموذج للمقاومة والصمود في غزة، أن تعرف الأرض التي تتحرك فيها جيداً، وأن تعرف أين وصلت خيارات العرب وأين وصلت خيارات الفلسطينيين الآخرين.. وأين هي من تلك الخيارات، وكيف تبني خياراتها وتتواصل مع درعها الجماهير، وأن تقنع الفلسطينيين ومنظمة التحرير والعرب الآخرين بمشروع مبدئي واستراتيجية واضحة اساسها.. إقامة دولة فلسطين على أرض فلسطين التاريخية المحررة وعاصمتها القدس.. ونبذ دولة البؤس المنشودة في بعض أرض الضفة الغربية وغزة، وسحب المبادرة العربية والاستعداد للتحرير، وإدراك أن العدو الصهيوني وحليفه الأميركي لن يعطيا الشعب الفلسطيني شيئاً من حقوقه العادلة إلا بالقوة، وأن الاعتراف بالوضع الحالي وترسيخه كارثة، وأن المشروع الصهيوني مضاد ومناقض لأي مشروع نهضوي عربي ـ إسلامي وهو يستهدف العروبة والإسلام والهوية والعقيدة، وأن طمر الرؤوس في التراب لتجنب رؤية الواقع المؤلم لا يعني أن المشكلات حُلّت والواقع أصبح أقل مرارة وكارثية وأن العالم أصبح بخير.. بل يعني أننا ضاعفنا انتشار السرطان في الجسم لأننا لم نشأ أن نعترف بوجوده ولم نرغب في التعرف على مواقع انتشاره ومدى ذلك الانتشار وخطورته على الجسم والحياة ذاتها، والتوجه نحو معالجته بالأساليب المجدية.

والله من وراء القصد

دمشق في 18/4/2008

علي عقلة عرسان

 

 

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |