| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

وداعاً بورصة وإلى اللقاء

في الخامس من حزيران، ذكرى النكسة والدم والعار والنزوح، قررت أن آخذ إجازة من نفسي وأن أبتعد عن ذلك الحدث الذي أعايشه ويعايشني وينام في فراشي ولا أفارقه منذ واحد وأربعين عاماً، وتتجدد مرارته في حلقي مع كل مذبحة تحدث في فلسطين الآن ومع كل صرخة محاصر أن أنقذونا ولا من مجيب، لأن هزيمتنا فيه هي أم هزائمنا وبؤسنا وإفلاسنا الحالي.

لم أبحث عن مكان جاء المكان يسعى إليّ ويدعوني إليه.. بورصة المدينة العثمانية الأقدم التي انطلق منها السلطان محمد الفاتح ليحرز انتصاراً ساحقاً على البيزنطيين ويفتح استانبول "القسطنطينية" عام 1452م ويغير وجه التاريخ، ويقدم معجزته التاريخية الكبيرة: " تحريك المراكب البحرية في البر، ليفاجئ العدو في البحر ويأتيه من حيث لا يحتسب ولا يتوقع، فيشلّه بالمفاجأة ويدخل أبواب القسطنيطينية ـ التي كان أبو أيوب الأنصاري صاحب الرسول " ص" يجاهد ليجتاز أسورها ولم يستطع وأوصى " أن ادفنوني في أقرب مسافة من السور" حين أموت فكان له ذلك ـ ويحقق انتصاراً على بيزنطة، ويحول مجرى التاريخ و"أيا صوفيا" إلى مسجد.. تماماً كما فاجأنا طيران العدو الصهيوني في فجر يوم الخامس من حزيران حيث "جاءنا طيرانه من الغرب"، من حيث لا نتوقع حيث كنا ننتظر أن يأتي من الشرق، فدمر سلاح الجو المصري على أرض المطارات في الفجر، وهزمنا واحتل القدس وحولها " عاصمة" له، وأرّخ لبداية نكستنا الشنيعة وهيمنته الفظيعة واستيطانه المتوسع واحتلاله المستمر حتى الآن للجولان وأجزاء من لبنان، تحقق للعدو ذلك حتى بعد أن ركز جنودنا العلم على قمة جبل الشيخ في المرصد الحصين، وحقق جيش مصر العبور العظيم عام 1973 وهو الانتصار الذي أسقطه السادات في الخيمة 101 وزيارته المشؤومة للقدس وإخراجه لمصر من المواجهة مع الكيان الصهيوني لتدخل في عقود وعهود لاحقة وسيطاً بين العرب والصهاينة من أجل هدنة أو تخفيف حصار أو إيصال ماء وغذاء وغاز وكهرباء.

بورصة مدينة جميلة، وأجمل ما فيها عبق التاريخ، ومعالم شخصية حضارية مهما قلنا فيها وعاديناها وعاداها بعض أهلها، فإنها حضارة مدّت ظلها الوارف على كثير من الأرض والقرارات والسياسات لعدة قرون من الزمن، وجعلت استانبول حاضرة قرار عالمي ومهابة دولية وقفت بجيوشها على أبواب فيينا.

في ضواحي هذه المدينة.. بورصة، وقبل أن تطأ قدمي أرضها، جلست تحت شجرة دلب عملاقة عمرها ست مئة سنة وقدرها ثلاثة أمتار، ذكرتني بشجرة الغريب في اليمن مع فوراق.. إنها تفرش ظلها على مساحة من قمة تل يشرف على حقول من الخضرة وترى منه بحر مرمرة الذي يبعد خمسة وعشرين كم فقط عنك وأنت في لجة الخضرة وهو في لجة الزرقة التي ترتدي عباءة رصاصية أحياناً.. يتوكأ فرع ضخم من فروع شجرة الدُّلُب العجوز تلك على عكاز من الحديد يحمل ثقله حتى لا ينشرخ عن الجسم الكبير فيذوي وينقل إلى النار، إنه هو واحد من خمسة فروع تتعلق بأمها وتمتد أذرعاً لها، تنشر الجمال والانبهار في المكان وفي العيون، وتطل بمن يجلسون في ظلالها على عالم الأحياء تحت.. حيث يسعى الناس سعي النمل ليقتنصوا رغيفاً وراحة وفرصة في الحياة. في ظل ذلك الفرع المهيب، قرب ساقية صغيرة صافية يأتي ماؤها العذب من سلسلة الجبال العالية حيث يترفَّع فوقها جبل "يلوداغ" المتوج بالثلوج معظم أيام السنة وحيث يتربّع هناك فوق قمته زيوس كبير آلهة اليونان القديمة ويحرك خيوط العالم كما تقول الأسطورة.. إنه زيوس جبل الأولمب في أثينا، ولكن امتداد تأثير أولمب العالم القديم يمد ظلاله على أساطير العالم الحديث، ويبقى منه شيء في تركيا التي هزمت الاحتلال اليوناني الذي بدأ من إزمير في عشرينيات القرن العشرين وحررت إزمير وأقامت الجمهورية على أنقاض الخلافة العثمانية، كما يبقى أشخاص تعشش في رؤوسهم الأساطير وبقيا التأثر بالمستعمِر.

هناك في ظل الدُلْبَة العملاقة التي تعيد إليك ظل سلاطين العثمانيين الممتد شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً.. جلست أحتسي كأساً من الشاي وأتناول فطيرة جبن ساخنة وأنظر إلى الناس والماء والأطفال.. وكلما كدت أدخل في المشهد الحي وأتخلص من حراس الذات لدغتني الذكرى بسبَلتها السامة، ومرمر حزيران حلقي، وانصب كل ماء بحر مرمرة في جوفي.. فأغرق في حزن حزيران من جديد.

قاومت الحزن وقررت أن أبعد جناح غراب الذكرى عني، وأن آخذ إجازة من نفسي وأبتعد قليلاً عن حقول الألغام التي يزرعها ساسة لساسة، وحكام لشعوب، ومعارضات لسلطات.. ومثقفون لمثقفين.. وأشخاص لأشخاص.. نهضت من حضن الجمال الهادئ لأدخل بورصة.. كانت الأفكار عنها تسبقني إليها وتحدثني عنها.. والواقع قد يغير مساحة الأفكار وقد تضفي الأفكارُ المسبقة على واقع ما أو شخص أو حدث ثوباً غير ثوبه فيُرى بعين قد تكون عين الرضا أو عين الغضب.. فيتغير الكثير أو يضيع في تلك المعمعة الكثير.. تماماً كما يقرأ المشغوف كتاباً أو مقالاً تحت وطأة الشغف فيرى فيه ما لا يرى الآخرون.

تمتد بورصة الأم، أو القديمة، بين خمسة جوامع: الجامع الأزرق حيث يرقد السلطان محمد الجلبي وأولاده، ذلك السلطان الذي في عهده قضي على خروج الشيخ الصوفي أو الملحد بدر الدين ابن قاضي سماونَة وأتباعه الذين سبقوا الإباحية الشيوعية بما يقرب من أربع مئة سنة. ومن ثم جامع أورهان، وجامع يلدريم، وجامع " أمير سلطان" وجامع عبد الله الذي يلوذ في ظلال جامع يلدريم لصغره.. في هذه المساحة التي تشكل صدر الجبل تقع بورصة التاريخية، بأسواقها العثمانية، وبعض طرز المعمار القديم الذي تجد فيه نمط الحياة التي تحنو على الإنسان وتحتفي به وتفتح له صدرها وتغمره بالدفء والحنان.. كما في سوق الحرير والنسيج الذي تجد فيه تاريخ العمارة العثمانية بشخصيتها الراسخة، وتجد في حضنه المربع أشجاراً تظلل الناس الذين يستمتعون بالراحة كلما أعياهم التعب، ووروداً إليها عيوناً كسلى.

دعاني صديق تركي إلى فنجان قهوة في حضن سوق الحرير تحت أشجار "الدلب والإخلامور".. جلست وبين كتفي يتربع التعب كأنه طفل شقي تحمله أمه على ظهرها، وكان إرهاق الذكرى يصبغ وجهي بلونه الكمّوني.. اليوم ذكرى حزيران.. ينبغي أن أكون هناك في القنيطرة المحررة التي اعتدت أن أزورها كلما أطل عليّ حزيران.. أفعل ذلك معظم السنوات لكنني اليوم هنا في بورصة.. في إجازة بلا راحة.

كان الناس كثر من حولي، تتداخل ألوان وجوههم وألوان ملابسهم وأنواع أزيائهم، فيقف الإفرنجي الحديث في حلق العثماني القديم ولكن الشجر الأصيل يربطهم إلى أعمدة المكان الأكثر أصالة ويجمعهم بطريقة ما.. القهوة ذات طعم خاص، ليست من البن الخالص كما قهوتنا.. ولها لذع إذا اعتدت عليه طلبته حتى لا أقول أدمنته.. الحرير بألوانه يتداخل مع الخضرة بدرجاتها ويوصل بينهما النسيم.. لا أنكر أنني أخذت بالمكان واستطبت أن يكون لنا مثله في كل مدينة عربية.. ما الذي يمنع؟ إنه تراثنا، طراز معمارنا، البيت العربي الذي تشمخ فيه الأشجار في الوسط، ويترنح فيه الياسمين تحت وطأة شوق العشق والتعب.. وتنفتح فيه النوافذ والشرفات على الورد والنور والخضرة والماء المتأنق كأصابع الفضة تتصاعد إلى الشمس.. وينام فيه ورق الشجر المتعب أمام مصاطب وأبواب وشرفات طبقته الأرضية، وتزدهي فيه الألوان والمشاعر.. يستقبل الشمس والمطر والهواء، ويقيّل فيه الظل من حَرّ الشمس في الخارج ويحتضن المتعبين ويحميهم من والحر والقَر، ويغدق عليك الصحو وضوء القمر في ليالي السمر حول بحيرة يغني فيها الماء وتنام على ألحانه العصافير.

لقد ضاع منا البيت والزي والمتعة كما ضاعت الأرض والقدس ومعالم الشخصية ذاتها.. حزيران من نوع خاص يكتسحنا.. سكنّا علب الكبريت طبقة فوق طبقة مثل أسرة المهاجع الكبيرة.. وأعطينا ظهرنا لأصالة الذات وأصالة الحضارة العربية الإسلامية وإنسانيتها.. سرنا وراء السيد الغربي مغمضي الأعين منتشين " بعبودية التخلف" نسير ونسير ونسير.. وندفع وندفع وندفع .. ونضيع ونضيع ونضيع.. يقتلنا المستَعمر فنفرح لأن قتلنا يتم بسكين مسنون الحد وبيد سيد أشقر ذي عيون خضراء فاجرة لا ترحم ولا تشبع.

نهضت فجأة كما لو أن عاصفة هوجاء حملتني.. ضقت بذاتي وبكل ما يعتمل في ذاتي.. لا بالمكان فالمكان بكل ما فيه خلفته ورائي، خرجت من سوق الحريري وعيوني بقيت فيه، مشيت على غير هدى يرافقني صديقي التركي، يمشي خلفي أو أمشي خلفه.. أتعثر في الشارع النظيف الوارف الظلال بحكاية أو ذكرى أو جريح من حزيران يطلب الإسعاف أو بنازح يطلب مأوى.. أو بطفل فقد أهله يبكي ويسأل ولا من مجيب على أسئلته القاسية.

سكنني حزيران، وسكنتني الذكرى وقررت أن أعود إلى حيث موطن الذكريات.. لأن السّفود اعتاد على منقل الجمر.

وداعاً بورصة، وداعاً أرض جمال وأصالة وتاريخ.. قد لا يعي كثيرون من ورثتها أصالتهم وتاريخهم وقد يضيقون به.. وداعهاً أرض ضياع إنسانها الآن في دروب التيه يبحث عن أوربا ويتوسل إليها أن تقبله، أن تلقاه في منتصف الطريق أو في آخر ميل منها، وهو يخلع ثيابه مع كل مرحلة من مراحل الخطو نحوها ليتخلص من وصمة الانتساب إلى آسيا وروح الشرق.. تاه في الأفقين وضاق بأحدهما بعد أن فقد صلته بالحرف والمكتوب الثقافي والأدبي والتاريخ.

وداعاً بورصة.. قد يتاح لنا أن نلتقي براحة من نوع ما بعد أن ترتاح أجسامنا وأرواحنا من جراح حزيران وهموم الهزيمة والعيش في الأسر والقهر والمعتقلات والسجون، وتحت ضغط التبعية للمركزية الثقافية الغربية التي تأكل وجوهاً وقلوباً ولا تعوضها إلا بما تكرهه الوجوه والعيون.. وداعاً بورصة.. سوف أعود ولكن لا بد من تعبيد طريقي إلى الأصالة والحضارة المشتركة وتعميق الانتماء للعروبة والإسلام والشرق.. والتعلق بالحرية والتحرير، حرية العقل والقلب وتحرير الإنسان.

وداعاً بورصة وإلى اللقاء إن شاء الله.

بورصة في 6/6/2008

علي عقلة عرسان

 

 

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |