| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

في القِمة

قال الراوي وعلى ذمته، في أثناء أدائه لمهمته، قال: إن جملاً صعد قمة جبل، ولم يكد يستقر هناك منتشياً بصعوده حتى بدأت تهزه تيارات الريح وتفزعه الوحشة، فأخذ يدور حول نفسه وينظر إلى الهوة السحيقة التي تفصله عن الخلق والزرع والماء والضرع، وكانت السهول والهضاب تمتد هناك أمام نظره على مد النظر، متنوعة الألوان والأحوال والمخاطر، يقطر منها في جوفه إليها، ويرى الموت يتلطَّى في منحدراتها، بينما تجتذب بعضُ المنعطفات والمرتفعات عينَه وقلبَه وتنعش ذاكرته، فيرتعش ما كان من مخزونها القديم فيه ويحرك جروحه. كان الجمل ينظر ويتحسر ويتشبث بالقمة، وازداد خوفه بل هلعه وهو يحدّق فيما تحته ويفكر فيما يعتمل في تلك المساحات الهائلة من مقومات الحياة وحوادثها وصراعاتها ودسائسها ومخاطرها.. فيرسل رغاءه المهتاج بشيراً ونذيراً، وينتظر ردة الفعل ورجوع لصدى فلا يأتيه إلا السكون الذي يزيده هلعاً وحسرة.

تذكَّر كيف صعد، وكم عانى حتى صعد، وكم ترك هناك من ضحايا على طريق الصعود زرعهم في المقابر أو في دوائر الصمت بأساليب مبتكرة، فبرَك احتماء من الريح القادمة إلى القمة واتقاء السقوط وتشبث بمبرَكه.. إنه وحده يشرف على هذا الفراغ ويعرف ما يمكن أن يكون فيه. تنفس بعمق وجال ببصره يمنة ويسرى وهو بارك يُرغي ويزبد ويغرس ركبتيه في الأرض. كانت الريح مشبعة بالرطوبة بقدر ما هي مثقلة بالبرد، ولم يكن أمامه إلا أن يتبصّر في أمره ويصبر على مصيبته ودهره.

وأخذ يعزز من قوته وصموده بتذكير نفسه بأن الجمل حمَّال أثقال، صبور على المشاق، وهو ابن الصحراء التي تعلِّم الكثير وسفينتها تحمل الكثير أيضاً.. ونبتت في زوره حقيقة كالمسلة.. الصحراء منبسطة تريك مد نظرك، ولكن رمالها متحركة وقد تنغرس قدماك في تلك الرمال فيجففك الظمأ وقيظ النهار وينخر عظامك برد الليل.. الصحراء توحي لك.. إنها شديدة الإيحاء .. وعليك أن تحذر ممن يغريك أكثر ممن يلوح لك بنهيه. استحلب الجمل حكمته واستقرأ ذاته.. ".. إنه ليس من تلك المخلوقات التي لا يعرف الخوف والجوع والبرد والموت إليها سبيلاً"، إنه واقعي إلى حد كبير ويجب ألا يأخذه الغرور بالنفس، إنه يعرف تماماً أنه خُلق للجوع والعطش والمشقات، وأنه الصبور الأصبر.. ولكن هذا لا يضع لكل الاحتمالات السيئة حداً.. ولا يكف عنه أذى الطامعين به وبالقمة التي يعتليها ويتشبث بالبقاء فيها.

لم يستطع أن يجوس كل فضاء نفسه من الداخل فهناك مخزون لا يستطيع نبشه أو تحمل انتشار مفرداته وتفاصيله، هناك عُقَدٌ للأفاعي تلتف وتصطرع وإذا ما اقتحمها ليرى ما في تلافيفها، وهي تلافيف ذاته، فإن الأمر سيكون مرعباً، وربما استيقظ فيه ما لا يحب أن يستيقظ.

استمر صاحبنا في وضعه أياماً، مرت عليه كسنين، وأخذ يحنّ ويئنّ، واستفظع أن يأتي وقت يضطر فيه إلى أن يستسلم للخوف أو للموت صبراً.. فهذا غير لائق وغير ممكن.

هب ذات نهار من مبركه وأراد أن يقتحم العقبة منحدراً إلى حيث الاطمئنان والأمان ومشاركة الخلق شروط عيشهم، إنهم الجحيم ولكن العزلة والخوف جحيم أشد، وما أن وضع خفّه باتجاه المنحدر حتى كاد ينزلق ويُطاح به في خضم الخلق.. إنه خضم مخيف. لَمّ خفّه وسحبه من المنزلق وعاد أدراجه، عينٌ إلى الخلف وأخرى إلى الأمام، وارتمى في مبركه من القمة اللعينة التي غدت حبسه ومَهْلَكَتَه وعالمه الذي ضاق حتى غدا مَبركاً مُحاطاً بالخوف والضيق وأنواع المقت.

وبمرور الوقت ازداد الجمل ضعفاً وهزالاً، وارتخت عنقه وامتدت على الأرض، أرخى جرانه كما يقال، وصار كجذع نخلة عطشى ينحني حتى يركع، ويشم التراب ويدفن رأسه في الأرض بحثاً عن راحة أو روح في تلك الطبيعة التي كانت مبعث الحياة والحنان والقوة لديه. وفي بعض الهنيهات كان يرفع رأسه بتثاقل وألم ممض ليستشعر الحياة على جنح الريح التي لم تعد ترحم فيه موضعاًً، ومع ذلك يتعرض لها ليعيش أو ليستقرئ في حركتها شيئاً عن الحياة والناس، ويستشعر القوة التي وضعته في تلك القمة.

سما إلى الأفق المقترن بالقمة طائر مأخوذ بالتحدي، واشتمَّ هناك رائحة حيِّ قد يكون فريسة للأحياء الأقوياء، إن بقي على ما هو عليه في القمة التي تحاصره.. فحط الطائر على سنام الجمل ورفرف حتى توازن واستقر بثقة. رفع الجمل رأسه مستهجناً هذه القحة من طائر بحجم خُفِّه أو أقل، فسأله الطائر المحصَّن بمخالب ومنقار حاد وأجنحة تسخِّر الريح وتسخَر منها، قال له: هذا فضائي، لم اخترت أنت هذا المكان وأنت ابن الصحراء والسهل الفسيح ؟! ما الذي أغراك بالصعود إلى هنا ؟! وكيف تجد نفسك الآن في هذا المكان مع العزلة؟!

شد الجمل عزمه، واستجمع قوته وصبره، وقال بصوت ضعيف:

ـ هي المقادير تسوقنا إلى حيث نلقى حتوفنا. هل تجدني راضياً بما أنا فيه، وهل أملك أن أتجاوز محنتي هذه بالتخلص من مكاني هذا والنزول إلى حيث أريد، وأعيش وارتاح وأجتمع بالآخرين كما أحب ؟! لقد حاولت ووجدت أن في ذلك هلاكي، لقد ازداد حجم الهوة التي تفصلني عن ذلك العالم.".

عجب الطائر، وحك ما فوق منقاره بمخلبه الحاد، وقفز عن ظهر الجمل ليصبح بمواجهته وحدق نظره إليه، ثم قال بنزق: ولكن إذا كان في نزولك احتمال هلاكك، فإن في بقائك هنا هلاكاً محققاً لك.. فهنا عزلة لا لذة بطعام، ولا راحة ولا ماء كما تشتهي، ولا حياة، ولا بشر، وها أنت ذا تذوي وتئن ولا شفيع لك ولا منقذ، وليس لك إلا نفسك.

رفع الجمل عنقه قليلاً، واستذكر أنه كان من نسل يتمتع بشيء من الحكمة، وقال للطائر:

-هل تساعدني على النزول؟!

-عجب الطائر منه كثيراً وقال له: كيف أساعدك وأنا لا أستطيع أن أحملك ولا أن أقودك ولا أن أزيل القمة من تحتك؟ ساعد نفسك وتقرّب من الحياة والمخلوقات بنزولك إليها، وكلما نزلت درجة اقتربت من الحياة درجة وشعرت بالاطمئنان والأمان.

قال الطائر ذاك القول للجمل ثم انطلق في جولة بهية فوق الهوة كأنما يقدم للجمل درساً في الجرأة واتخاذ القرار وتحرير المسار وحرية الانعتاق.. حلَّق بعيداً في فضاء مملكته وعينا الجمل معلقتان به، وما يشبه الدموع ينساب منهما.. هز الجمل رأسه وحرك عنقه حركة مغامرة عنيفة بعض الشيء أرهقته قليلاً، وكاد ينهض وهو يئن.. لولا أنه فوجئ بالطائر العجيب يحط على مقربة منه ويخطو نحوه خطوات مشجعة ومتحدية.

تحرك الجمل في مكانه فظن الطائر أنه أخذ بنصيحته وقرر النزول، فطار ثانية وبدا يحوم حوله مشكلاً دوائر تضيق قليلاً قليلاً. حاول الجمل أن ينهض ولكنه برك في مكانه من الضعف، وعاود الكرة مرات ومرات فلم يستطع النهوض. استسلم لمبركه وارتفع أنينُه وحنينُه، وازداد ارتعاشه وخفقان خاصرتيه، فعاد الطائر إلى الحديث معه قال:

أعرف أنك أصبحت أضعف من أن تنهض، وأن هذه القمة حصرتك وأرهقتك وستغدو قبراً لك، ولكن أن تموت في القمة شيء له قيمة وثمن أيضاً. وإذا كان لا بد من الموت فلا بأس في أن يختار المخلوق القمة ليموت فيها.. هذا خير من الموت في الأزقة المعتمة بين المخلوقات ذات الحاجات والصراخ والروائح العفنة.

نزلت دمعة من عين الجمل وقد أيقن بالهلاك واجتاحه الحنينُ لبيئته التي يرتاح إليها، ثم قال للطائر: ولكن لم يكن ذلك هو هدفي النهائي.. إنني ابن الصحراء ولا أرتاح في قمم الجبال!!.. اهتز الطائر نزقاً وقال له: ما الذي أغراك بالصعود إلى هنا إذن، ما الذي دفعك، ألم تختر بمحض إرادتك ؟!

تدفقت من عيني الجمل دموع غزيرة، وأخذت خاصرتا تهتزان وجسمه الثقيل يرتعش، وكأنما كان ينتحب من الأعماق. ألح الطائر بالسؤال ولم يترك للجمل فرصة أن يستغرق في الألم والنحيب، فقال له الجمل: شردت قليلاً وابتعدت عن الفريق الذي كنت فيه، وحينما نظرت وأنا في سفح الجبل إلى الجِمال تحتي استطبت الارتفاع فوقها والانقطاع عنها، ولم يكن يعجبني شيء هناك تحت، ورأيت أن في ابتعادي عنها خلاصاً لي مما هي فيه، وطاب لي الارتفاع، وحينما وجدت أنني انعزلت عنها أغرتني فكرة أنني وصلت إلى هنا بقدرتي وتفردي وأنني فوقها جميعاً، أفضل منها ومسيطر عليها وتطلب رضاي. لا أعرف أية قفزة وضعتني في هذا الفراغ الهائل ولكنني وصلت إليه، وحينما وصلت واستقريت وحدي شعرت بالعزلة شيئاً فشيئاً ولم أجرؤ على النزول، كان الخوف يمنعني وهو الآن يحاصرني.

لا تسألني عن سر ذلك الخوف ولا عن تفسير له، ربما كان الخوف من الهلاك في أثناء النزول، أو الخوف من أن أعود واحداً ممن انفصلت عنهم بعد الذي فعلته بهم، أو من أن أفقد ارتفاعاً كنت متفرداً فيه. وأخذ الخوف يصبح سياجاً ثم حصناً ثم مقتاً، وفقدت الاتصال بالبيئة التي كنت أرتاح فيها ومع من يشكلون الحياة فيها أيضاً. لقد اقتنعت معك بضرورة أن أنزل لأن الهلاك هنا مؤكد والهلاك في أثناء النزول يبقى احتمالاً، ولكن حينما وصلت إلى ذلك الاقتناع لم تعد لدي القدرة على النزول، وضاع كل أمل لي في النجاة.

 إنني أعرف أن الموت مؤكد هنا وهناك، ولكن حتى الموت مع تلك الجماعة التي أنا منها، وعشت معها ردحاً من الزمن، واعتدت عليها، يبقى أرحم بكثير من الموت وحيداً غريباً محاصراً بالخوف حتى ولو في القمة.

اختنق صوت الجمل الصبور بالبكاء ولم يستطع أن يتابع حديثه مع الطائر، ورمى عنقه إلى الأرض، واختلج بصبر ثم رغا رغاء ضعيفاً، وحرك مشفريه لآخر مرة، وأسلم الروح.

حام الطائر بعيداً، دار حول القمة عدة مرات، ثم أخذ سمتاً عالياً وأصدر نداءات ذات دِلالات خاصة، فجاءت عبر الأفق البعيد طيور على شاكلته، تداخل معها وتعانقت بعض الأجنحة مع جناحه، ثم تجمعت الطيور في صفوف وتقدمها هو حتى حطت على القمة، وأخذت تأكل جثة الجمل الغريب الذي حاصرت القمة والغربة والانعزال جثته الضخمة.

 

علي عقلة عرسان

 

 

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |