|
| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث | |
|
بين فتنة الأساطير والسياسة في الساعة العاشرة والربع من صباح الأحد 15أيلول 1996 انطلق بنا القطار من جلنزوفودسك /المياه الحديدية/ في طريق العودة من شمال القفقاس إلى موسكو، بعد أن أنهينا احتفالاً هو الأول بالشاعر ميخائيل ليرمنتوف /1814-1841/ م استمر ثلاثة أيام /12-14/ أيلول 1996 مخلفين وراءنا أربعة أيام من العمر لا ندري كيف انقضت في أحضان الطبيعة الخلابة وطيبة الناس في هذه المناطق الأخاذة، زرنا خلالها مواقع ومناطق متعلقة بحياة الشاعر ليرمنتوف في كل من: جلنزوفودسك، بيتورسك، وكيسلافودسك، وهي مناطق مياه معدنية للعلاج والراحة والاستجمام، وكنت أود أن أبدأ الحديث منها ولكن لا أدري ما الذي يشدني إلى أن أبدأ من الأسطورة، حيث خلفنا وراءنا جبلين متقابلين هما: جبل بيش تاو: القمم الخمس، ومعشوقة بحلتها الخضراء الجميلة. تقول الأسطورة الشركسية: إن جبل "البروز"، وهو شيخ الجبال في القفقاس مثل شيخ القبائل القديمة فيها، أحب معشوقة التي كانت تختال تحت الشمس الساطعة بحلتها الخضراء فتسبي الألباب. وكان هذا الشيخ المعمم بالثلج، المسور بالقوة والعزم، ينظر من بعيد إلى محبوبته البهية بشوق ويمنعه الكبر من أن يقترب منها. وبجانب "معشوقة" كان "بيش تاو" ينظر في عينيها كل يوم ويكاد يلامسها عن قرب. وسرت الإشاعات التي لا تنبع من فراغ، بأن بيش تاو يحب "معشوقة" وتبادله هي الحب، ووصل الخبر إلى شيخ القفقاس المثقل بعمته البيضاء ووقاره وسمعته الطيبة، فارتجف غيظاً وغضباً، واهتزت لذلك الغضب الأرجاء كلها، وأحدث رعدة في أوصال الأرض فتشققت وديان ووهاد وفجوات، وأومأ إلى "بيش تاو" فقسم جسمه إلى خمس قطع، بعد أن استطاع المحب أن يضربه بسيفه فيقسم عمته إلى قسمين ولكنها لم تصب منه مقتلاً، واستل البروز سيفه وطعن به المحبوبة الغادرة "معشوقة" في الصدر، وتراخى الجسد الجميل الذي كان ينتصب حباً وبهاء تحت الشمس. ومع الزمن تجمدت قطع جسم "بيش تاو" على شكل جبل ذي قمم خمس/بيش تاو باللغة التركية: خمس قمم/ وأصبح "البروز" مقسوم القمة إلى شقين، أما "معشوقة" فتفجرت من صدرها وقلبها الينابيع التي تشفي الناس بمياهها المعدنية المتنوعة. إنها الأسطورة تفسر للعقل البدئي كثيراً من الألغاز المستعصية على الفهم، وتريح الأنفس من لهاث الأفئدة التي تثيرها الطبيعة، أو يثيرها تفاعل العقل مع معطيات الطبيعة وقوانينها ومستقراتها. ولا أدري إلى أي مدى يستقر شيء من ذلك في لا وعي الناس الطيبين في القفقاس الذي تعيش أساطيره في أنواع من الناس الذين لا يمت بعضهم إلى تاريخ تلك الأرض والأساطير بأية صلة؛ فالذين استقروا فيه قبل نيف ومئتي عام، في العهد القيصري أو بعد ذلك بكثير في العهد السوفييتي، لا يحملون في عمق تكوينهم من مقولاته الأساسية شيئاً، ولا تنغرس دروس تلك الطبيعة القاسية وأسئلتها المحيرة وإيماءاتها الموحية في أعماقهم، إنهم يقطفون آخر عناقيد الشجرة اليانعة ويقولون إنهم هم الذين غرسوها أصلاً؟! وتلك مغالطات ما أكثر انتشارها في الأرض، وما أكثر تأثيرها على تاريخ الناس الذي يبدو في بعض الأحيان أكاذيب مكدسة على صدر الحقيقة. في المدن الثلاث التي زرناها ينسبون كل جميل إلى ليرمنتوف، وتاريخ القفقاس ينحسر ويضيق هناك ليصبح تاريخ الروس فيه، والضابط الفاتح أو الذي ينفذ سياسة القيصر العدوانية ضد شعوب القفقاس هو البطل الرائع الذي يملأ الربوع وداً وحباً وكبرياء، ويعطي لكل شيء من حوله مدلولاً ومعنى.. حتى عدوانه الصارخ على بنات القبائل وزعمائها يصبح شيئاً من بركة جاذبية قلبه الدفيء وحنانه على أولئك المستوحشين ـ حتى لا أقول المتوحشين؟!ـ الذين ينقلب دفاعهم عن أنفسهم وشرفهم وأرضهم بنظره إلى قرصنة.. أو إلى "إرهاب" في تعبير عصرنا الأميركي- الإسرائيلي؟! لا تعجبوا هذا يتكرر في مراحل التاريخ ومفاصل الأرض. قتل الشاعر ليرمنتوف في مبارزة مع ضابط زميل لـه في الكلية الحربية، وذلك بعد سهرة مثيرة تم فيها تبادل آراء وكلمات وغمزات غير موفقة، وربما اكتسب ذلك حدة كبيرة لأن السهرة والغمزات كانت أمام فتيات مثيرات في بيت الجنرال، الأمر الذي ترك ندبة عار لا يمحوها سوى الدم، فدعا مارتينوف زميلَه ليرمنتوف إلى المبارزة وأرداه قتيلاً على سفح جبل "معشوقة"، برصاصة اخترقت صدره ورئتيه وألقته فاقداً الحياة في اللحظة ذاتها التي أطلق فيها ليرمنتوف الرصاص في الهواء. مفارقة تستحق أن يتوقف عندها المرء.. لا سيما عند سفح " معشوقة" التي أشارت إليها الأسطورة. وقد شاهدنا الغرفة التي قضى فيها ليرمنتوف ليلته الأخيرة في بيتيغورسك، والمكان الذي تمت فيه المبارزة، والقلعة التي خدم فيها ضابطاً بعض الوقت، وكثيراً من المواقع التي نُسِبت فيما بعد إليه، كما شاهدنا ملابسه وبعض أدواته وأوراقه. لم يكن ذلك الشاب ابن السابعة والعشرين الذي ترك رواية وبعض القصص وأربع مسرحيات وعدداً كبيراً من القصائد، لم يكن قد نضج إلى درجة تكفي لتصنع حوله تلك الهالة الكبيرة، ولكن الموت "يطيل رجل الميت" كما يقولون، والزمن الذي يمر يعطي للماضيين شيئاً من قداسة، والروس يريدون أن يضفوا على القفقاس انتماء خاصاً لهم، ولذلك يرفعون اسم من زاره أو عاش فيه أو مات على أرضه من أعلامهم عالياً. فبوشكين زار القفقاس وكذلك تولستوي، ولكن ليرمنتوف يكاد يختصر تاريخ ذلك الوجود الذي يطيب للبعض أن يسميه انتماء. في الأرض الجميلة يجتمع السحر والتاريخ والوقائع المرة، وفيها يستمر حضور ذلك كله في حالة تفاعل حيوي مستمر، وينتج أساطير ووقائع وقصصاً حلوة ومرة. واستشعر الحاجة لقول كلمات في تلك المواقع الجميلة التي أتيح لي أن أزورها في: - جلينزفودسك: التي تنتشر على سفوح "بيش تاو" و"معشوقة"، وفي المنخفضات تحت أقدامهما، طبيعة خضراء، غابة شُقَّت خلالها الطرق واستظلت بها البيوت وأماكن الاستراحة والمصحات الكبيرة والاستراحات الكثيرة. نزلنا في استراحة هي أقرب إلى مصح للاستجمام يحمل اسم روسيا، وفي كل مصح من تلك خدمة جيدة، وجهاز من الأطباء والممرضات وعمال الخدمة، وحوله طبيعة ساحرة. الليالي الأربع التي قضيتها في الغرفة 421 من تلك الاستراحة، لم أستطع أن أستفيد منها في لقائي مع الطبيعة سوى من لحظات معدودة في الليل، بين العاشرة والربع والحادية عشرة، وفي الصباح بين الثامنة والثامنة والنصف.. كانت إطلالة رائعة على بحر من الحضرة يمتد فوق قمم الأشجار التي تشكل أغصانها وأوراقها عناصر ذلك المحيط الممتد بين قمم "بيش تاو" وجبل "معشوقة" اللذين يسمحان لفتحة من السماء في الشرق بأن تمده بنهر من الضوء يتدفق منها في الفجر والصباح وفي المساء قبيل الغروب. لولا الطريق التي تمر أمام الفندق "المصح" لاستمرت الغابة، و لولا حركة المرور التي تترك دوياً مستمراً في الفضاء القريب من غرفتي لساد سكون لا مثيل لـه في الليل وفي الصباح، سكون لا تجرحه بمحبة إلا أصوات طيور الغابة وبعض القوارض الصائتة التي تتسلق أشجارها. كنا في هذا المكان أربعة من أعضاء الوفد المشارك في احتفالات ليرمنتوف: الشاعر الكالميكي داود غوكلتينوف والشاعر الشاب أندريه سكارينكن من بيلوروسيا ومرافقي أولغ بافيكين من روسيا، يجمعنا الإفطار كل صباح في غرفة جميلة خاصة بالضيافة، تقع في جانب من المطعم المتسع يشرف على الحديقة، وهي قاعة أنيقة والخدمة فيها محفوفة باللطف والعناية، وحول المكان كله تنتشر الغابة التي تخترقها طرق ترابية ضيقة ما إن تسير فيها قليلاً حتى تغرق في الخضرة والسكون، تظلك مظلة عالية خضراء تترك فجوات ضيقة تطل منها السماء، ودراهم من النور حسب المتنبي في شعب بوان، أما الشمس فنادراً ما يتاح لأشعتها أن تغمر الأرض، وتكتفي بالتلصص عليها سارقة قبلة بشعاع خاطف. موج الخضرة الراكد الممتد بين القمم الخمس ومعشوقة كان يشعرني بأنني محمول فوق الأرض على بساط من الخضرة لا يترك لنظري فرصة رؤية الأرض، كأنما أنا في مركب ذي شراع يطفو في محيط أخضر. إن كيسلوفودسك حديقة واسعة، فيها حديقة رسمية أقل اتساعاً، قدمت لنا استعراضاً سياحياً غنياً، وزودتنا بكثير من الأساطير وجرعات من الفنون "موسيقا ورسم وشيء من الغناء الشعبي"، ومياهها الحامضة من نبعها الخاص- كان أول ما قوبلنا به فيها استقبال رسمي- كان ذلك في مدخل البلدة حيث قُدم لنا: الخبز والملح على الطريقة القفقاسية، مع رقص شعبي قدمته فرقة فنية كانت تنتظرنا خارج المدينة، ولم تفوّت هذه الفرقة، أو رسميو المدينة، فرصة أخرى، حيث قدمت لنا عرضاً آخر على مدرجات جميلة تشرف على الساحة والحديقة. بعد ذلك زرنا موقعاً هو فجوات " شبه مغاور" في الجبل، ربما كانت مأوى للقفقاسيين القدامى، وفيه حلقة عالية من الصخر تشرف على منحدر سحيق وقد صعدت إلى هناك، فأنا أحب الصعود. زرنا في هذه المدينة بيت مغني الأوبرا الروسي الشهير شالابين، وسمعنا شيئاً من غنائه مسجلاً على اسطوانات قديمة يبثها فونوغارف، وزرنا معرضاً فنياً احتفى مثقفو المدينة بنا فيه، كما زرنا الحديقة الجميلة حيث قدِّمت لنا فيها مشاهد وقصائد من ليرمنتوف على لسان فنانين، مصاحَبة بعزف على البيانو. في هذه المدينة- الحديقة شاهدت الحمامات القديمة على الطريقة العثمانية، وكانت هي الموقع للمياه المعدنية، وفيها شاهدت الكثير من المعالم العمرانية والوادي الذي "صنع" من غضبة جبل "البروز" كما تقول الأسطورة التي أشرت إليها سابقاً، وهم ينسبونه- بجماله- إلى ليرمنتوف، فكل منظر جميل هو منظر "ليرمنتوفي" كما يسوقون؟!. لفت نظري في كيسلافودسك المرافقون الذين كانوا يعرِّفون بالمدينة ومعالمها، إذ لم يصمت أي منهم في أثناء تنقلاتنا من مكان إلى مكان، فمن حديث إلى حديث عن الموقع، أو تقديم أساطير المنطقة ومنها الأسطورة التي حملت معرفة عن صنع اللبن الرائب، حيث وضع القفقاسيون من إحدى القبائل حليبهم في موقع، ومرت فتاة تحمل أزهاراً أو بذوراً معينة من الغابة سقط بعضها في الحليب مصادفة، فأصبح في اليوم التالي اللبن الرائب الذي أعجب الناسَ، واستفادوا من اكتشافه، وصدروا هذا الاكتشاف. "إن هذه المدينة التي لم تكن تجد فيها قبل أربع سنوات موضعاً لتفاحة على الأرض من كثرة الازدحام على مرافقها وفي شوارعها، تبدو الآن شبه فارغة، ولا يوجد فيها حتى أقل من ثلث الزوار." كما قال لنا رئيس بلديتها. على الفطور كنا تجاذبنا أطراف الحديث نحن الأربعة، وفي مرة استطلعت رأي الصديق كوغلتينوف عن دور غورباتشوف في تفكك الاتحاد السوفييتي وتقييمه لذلك، وهو الذي يعرف غورباتشوف جيدأً وسافر معه مرات عدة، وعن الاقتصاد السوفييتي وما آلت إليه الأمور حيث أصبح الدولار يساوي 5300 روبلاً.. فقال عن الاقتصاد: "لقد جاء اقتصاديون إلى مستوى المسؤولية في روسيا هم أساتذة في النظريات، ولكن على الأرض ليس لهم خبرة، فتداعى الاقتصاد.". وعن غورباتشوف قال: " لقد وزع السلطة على مئتي سهم- مئتي مكان- ولم تكن زوجته "رايسة" لتملك أن تجمع تلك الأسهم ولا هو بالطبع، والتالي كانت الأمور أكبر منه". وكثيراً ما طُلب إليه مرات أو سئل: متى تضرب بقبضتك على الطاولة وأنت ترى كل هذا التراجع والتفكك؟ فكان يقول: سيأتي الوقت.". ولكن ذلك الوقت لم يأت أبداً، وانهار الاتحاد السوفييتي قبل أن يضرب غورباتشوف بقبضته على الطاولة، أو قبل أن يستشعر ضرورة لذلك، أو قبل أن تمكنه إرادته من فعل ذلك. وأعاد قول كوغلتينوف أمامي فتح صفحة تساؤلات كثيرة كانت تضج في رأسي بين آن وآخر، حول النظريات " العلمية" التي لا يأتيها الباطل من أي طرف، والحتميات المطلقة في فضاء العالم الواسع، و"العلم المحكَم" الذي يحكم النظرية والتطبيق، وحتى الخلق وما يشعرون به في أعماق نفوسهم من خلجات، والعصمويات التي تزري بكل عنتريات العصمة عند الأقدمين والمتأخرين، ومنها عنتريات بعض أبناء أمتنا في مجالات السياسة والأيديولوجيا والتفاوض والحرب والسلم.. تلك التي ما زال فريق منا يعيش طوباوياتها، ويغش الأمة ونفسه بها، ولا يعرف هو ذاته متى يتوقف عن النزيف والتزييف ليراجع بعض ما يندلق على لسانه من مقولات، وما يندفع ليه من تصرفات وكأنه مسير بقدر هو أكبر من قدرته على المراجعة والتوقف للتفكير والتأمل. وقفت بين الأسطورة والجمال والواقع المر ومعطيات الأيديولوجيا والسياسة، وأنا أقول في نفسي ولنفسي: كيف يمكن للإنسان الذي يقرأ التاريخ أن يقف على مشارف الحقيقة، حين يغرق في فتنة الأقوال وتسويق الخيال، بعيداً عن مرابع الحقيقة وتألق الجمال. دمشق في 5/3/2010 علي عقلة عرسان
|
|
| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث | |