| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

المسؤولية الحضارية المشتركة لنا ولإخوتنا في الشرق

من يمعن النظر في اهتماماتنا الثقافية العربية وشواغلنا يجد أن جل اهتمامنا ينصرف إلى الغرب منذ عقود بل منذ قرون من الزمن، فنحن نعيش تبعية لـه أو نقاوم تلك التبعية، وننظر إليه بانبهار وإعجاب واستغراب واشمئزاز أحياناً، أو نتحصن من تأثير ذلك فيما تبقى حياً فينا من مقومات شخصيتنا الثقافية وتطلعاتنا القومية وقيمنا الإسلامية. ولا أدري لماذا ننظر دائماً إلى حيث تغرب الشمس وننسى مواطن شروقها وما يشمله ذلك الشروق وما يعنيه وما يوحي به؛ ولماذا نعطي ظهورنا للشرق الذي ننتسب إليه ونفاخر بقيمه وقدمه وعراقته وغناه الحضاري والروحي !!

ومنذ أصبح العالم، بفضل التقدم الهائل لوسائل الاتصال الحديثة في عصر تطور العلم والمعلوماتية، طبقاً حياً متسعاً تكاد تدركه البصائر وتراه الأبصار، منذ ذلك الوقت يواجهنا: السؤال الدفين أو نواجه أنفسنا به: ماذا عن الشرق، ولماذا لا يشد اهتمامنا بالقدر اللائق والكافي ونحن منه وفيه، ورثته وأبناؤه ؟! لماذا لا يسترعي انتباهنا ما فيه من تنوُّع ثقافي وتجارب طويلة غنية ومفيدة، وما فيه من ثروات وإمكانيات، وما تعرَّض له  من مآس وتصدى له من تحديات وواجهه من محن وامتحانات؟ لماذا لا يكون تحت الأضواء: ثقافياً واجتماعياً وسياسياً، لدى أبنائه والباحثين عن مخارج لما يعانون من مشكلات وأزمات فيه، ممن ينتمون إليه ويعيشون تحت سمائه ويكتوون بنار معاناته وليس لهم سواه.؟ هل هو الجهل أم اليأس أم الطمع أم الخوف أم التبعية المقيتة والانبهار؟! وإذا كان ذلك كذلك فلماذا تكتفي الضحية بأن تنظر بعيون دامعة إلى الجلاد وسوطه وسكينه، ولا ترفع عينيها عنه وعن أدوات التعذيب التي يشهرها لتبحث عن مخارج وخلاص؟! هل هو الطمع في الرحمة والعفو ممن لا يملكونه، أم تراه الخوف الذي يقطع الأنفاس ويشل التفكير، أم هو الانهيار المعنوي تحت تأثير الدعاية والاستعمار والقوة والامتهان !؟ وهل صحيح أن الشرق لن يقدم ما يفيد وما ينقذ وما يُشْرِع أبواب الأمل أمام من يفتشون عن الأمل والإنقاذ؟ وهل لا يجمعنا بالشرق ومن فيه إلا الهم والغم حتى الآن، تصديقاً لقول أمير الشعراء: كلنا في الهم شرق؟!

لا أشك مطلقاً في أن الغرب خطف الأضواء والألباب لقرون عدّة، ولا أنسى أنه حكم البلاد والعباد في الشرق من اليابان إلى شرقي المتوسط، وما زال له الكثير من النفوذ فيه وفي سواه من بقاع هذا العالم؛ ولا يغيب عن ذاكرتي أن الغرب شكل وما زال يشكل، منذ ثلاثة قرون على الأقل، القوة العلمية والثقافية والإعلامية والتقنية والعسكرية المرعبة، وأنه يتوارث إمبراطورياته التي تكاد تغطي العالم، حرباً بعد حرب وتحولاً في القدرة والقوة بعد تحوُّل، ونهباً للثروات واستلاباً للعقول زمناً بعد زمن، ولكن في الشرق ما يستحق الاهتمام والدراسة والثقة، علمياً وتقنياً وسياسياً واجتماعياً وحضارياً، وفيه أيضاً ما يستدعي التأمل واستخلاص العبر، فلماذا نبقى يا ترى رهن محبسي الشعوب الفقيرة: الاستعمار والجهل؟! من المؤكد أن ذلك ليس قدراً وإنما هو غياب للقدرة من كل نوع، ولتحرر الإرادة والتوجه نحو البحث بحرية في كل المجالات وبأي شكل.

في الشرق الكثافة البشرية المذهلة التي تحل مشكلاتها الكبيرة وتنظم حياتها إلى حد مقبول، فتجربة الصين الشعبية ممتلئة بالدروس والعبر، وهي دولة تجمع بين نظامين اشتراكي ورأس مالي يتكاملان، وتتقدم بسرعة في مجالات تقنية كثيرة، وتعالج مشكلات سدس سكان الكرة الأرضية تقريباً. وفي الشرق اليابان: المنتصرة رغم الهزيمة، والمتفوقة رغم الضغوط والمزاحمة، وفي الشرق النمور الأربعة، والتجربة الكورية، والملحمة الفيتنامية؛ فيه الهند وباكستان وماليزيا وأندونيسيا بما تحققه كل منها من تقدم في بعض المجالات وما تملكه من قدرات خاصة، وفيه تركيا التي تنهض وتستنهض وتسجل رؤى ومواقف رائدة، وإيران التي تتقدم بخطى ثابتة على دروب امتلاكها للتقانة المتنوع والقوة والثروة، وفيه بلدان آسيا الوسطى والوطن العربي، وفيه البترول والممرات المائية الحيوية والثروات الطبيعية.. وفيه المقاومة العربية التي تتصدى للاحتلال وتصمد وتثبت أنها موجودة.. وفيه.. وفيه.. !!  فلماذا ندير ظهورنا إليه حتى معرفياً؟ ولماذا نتجاهل ما فيه رغم حاجتنا للمعرفة وللمادة، ورغم كمون إمكانات كبيرة فينا وفيه، قد تغنينا وتغنيه وتحررنا فنحرره؛ أو قد تخفف عنا وعنه ما نعانيه جميعاً من مَلِكِ الظلم ومالك القهر وسيد الرعب: غرب الاستعمار والاستغلال والحروب الكونية، والمادية الطاغية على كل ما سواها، ومجالات نفوذ الصهيونية العنصرية ونازيتها الجديدة، وممارساتها التي لا تمت للإنسانية بأدنى صلة؟!

وإذا رغبنا عن صلات ببعض بلدان الشرق قد لا تغني ولا تنقذ ولا تفيد، فما الذي يجعلنا راغبين عن معرفة إخواننا في العقيدة وتوائمنا في الثقافة والحضارة وشركائنا في المصير من مسلمي الشرق على الخصوص؟! لماذا لا نكاد نعرف شيئاً عن بعضنا بعضاً، مع أن واجبنا من جهة والاستهداف المشترك المركز علينا من جهة أخرى يقتضيان منا شيئاً من التواصل والمعرفة والتنسيق والتعاون لحماية ما يمكن حمايته من المشترك المهدد والمستهدف، بشرياً وجغرافياً وثقافياً وروحياً وعَقَدِياً واقتصادياً، في آن معاً، من قبل الغرب الاستعماري والصهيونية العنصرية؟! هل يمنعنا من ذلك استعداد نفسي واجتماعي وروحي لتقبل الظلم والاضطهاد والعذاب والسكوت على ذلك والاستسلام له، وتاريخنا وعقيدتنا يحثان على نبذ ذلك والتعلق بكل ما سواه مما يحرر الفكر والإنسان؟! أم هي القابلية للاستعمار التي سبق وعبر عنها المرحوم مالك بن نبي، وقد نمت وتطورت وتعمقت وتعملقت؟! أم ترانا نخاف من أن يضبطنا الوصاة الغربيون وأتباعهم متلبِّسين بالاتصال بأخوتنا في العالم الإسلامي وفي الشرق الفسيح، فتذهب بهم الظنون كل مذهب، ويصلون إلى الحد الذي يستبيحون معه أوطاننا ودماءنا وأرزاقنا وبلداننا من جديد؟! وهل تراهم لا يفعلون ذلك الآن بأشكال متعدِّدة والعراق وأفغانستان ماثلان أمامنا، والوضع المأساوي في فلسطين شاهد على استمار التواطؤ الغربي ـ الصهيوني!؟ وما دام الموت واحداً مهما تعددت الأسباب، والقهر يطحننا بسبب الاستعمار والتبعية والاحتلال من كل باب، فلم الخوف ومن أي شيء لا نعيشه ولا نراه، وانتظاراً لأي تغيير في نفوس طغاة جشعين لا يتغيرون إلا بتغير الآخر من ضحية إلى نِدٍّ، ومن مستسلمٍ إلى مقاوم، ومن ذليل خانع بجهله اللهَ وحدودَه وفروضَه وفيوضَه إلى كريم خاشع معرفة لله وقوة بالله وفضلاً من الله.

أياً كانت الأسباب والعوائق والمخاوف التي حالت دون تواصلنا البنَّاء وتفاعلنا الخلاَّق مع الشرق، فإنني أرى أننا تأخرنا كثيراً في الالتفات بجدية واحترام إلى شعوب الشرق وثقافاته، وإلى الجوار بكل وشائجه ومصالحه المتبادجلة، وإلى وأنه آن لنا أن نعيد استكشافه، لأغراض معرفية خالصة من جهة، ولصلات وانتماء وأهداف ومصالح يجب ألا يقطعها الخوف أو الخبل أو الاستغراق في حضن التبعية، أو استمتاع بمازوشية تتملك بعض العرب حيال الغرب، من جهة أخرى.. وأنه آن لنا أن نتدارك بعض ما فاتنا من ذلك وبسرعة.

ولا أريد أن يفهم من دعوتي هذه، على الإطلاق، أنها دعوة ضد الغرب أو لإحداث قطيعة معه، ولا أنها دعوة للانغلاق على الذات، فذلك أبعد ما يكون عن بغيتي وعن توجهي وتفكيري، فأنا من القائلين بالمثاقفة في شروطها الصحية ودوائرها الواسعة، على أسس مكينة قائمة على الحرية والوعي والثقة بالذات والأخذ والعطاء من دون عقد.. إن دعوتي تتجه حقيقة إلى نشدان عمق المعرفة وغناها وتنوعها وشمولها، وإلى الرغبة في الخلاص من استلاب الغرب لنا وكل أشكال التبعية له، تلك التي تستمر وتتضخَّم عندنا بأشكال مختلفة، وتحجب عنا رؤية الذات والآخر المغاير للغربي، ورؤيتنا الموضوعية للآخرين وحتى رؤية الآخرين لنا، كما تشوه الرؤية الشمولية وتلك التي عبَّرت عنها بالدائرية، إن صح تعبيري.. إنها دعوة لاكتشاف الآخر القريب، ومن تجمعنا بهم أكثر من سواهم، وحدة الثقافة والعقيدة والمعاناة والمصير، هي دعوة لاكتشاف الشرق الذي لا يكل الغرب عن تجديد اكتشافه والتعمق في ذلك الاكتشاف، ليوظف المعرفة العميقة في خدمة مصالحه الحيوية ومشاريعه الاقتصادية وخططه للهيمنة وإعادة الاستعمار بطرق مباشرة وغير مباشرة. فهل يحرَّم علينا أو نحرِّم على أنفسنا المعرفة ومحاولة استخدامها بحصافة ووعي للدفاع عن الذات ولتعميق المعرفة بالذات والآخر في إطار واسع؟! وهل يحرَّم علينا أو نحرِّم على أنفسنا اكتشاف الذات من خلال اكتشاف الآخر القريب الذي تتعمق باكتشافه معرفتُنا  لذواتنا، وتنجلي بذلك بعض ملامح مستقبلنا باتساع رؤيتنا ونضجها وشمولها؟! إن السؤال مطروح على الذات العربية أولاً وعلى الآخر الشريك في العقيدة والحضارة والتاريخ والتراث، وفي قوس الشرق ومستقبله ومصيره ثانياً، وعلى جميع الشركاء في الشرط الإنساني والمصير الإنساني على أرض البشر ثالثاً وأخيراً.

لفت انتباهي بقوة ما أشار إليه الدكتور عبد العزيز كامل في حديث له مع أحد كبار المسؤولين المسلمين في الشرق الأقصى، حيث قال له ذلك المسؤول:

"عند استقلالنا نظرنا إليكم، فوجدناكم تنظرون إلى غيرنا في الغرب، فاضطررنا إلى أن ننظر إلى غيركم. وعندما نظرتم إلينا، كانت أنظارنا هناك. وقد آن الأوان أن ينظر بعضنا إلى بعض" وربما لخّص هذا علاقة عامة بين الأمة العربية من جهة، وبقية البلدان الإسلامية من جهة أخرى في جميع المجالات وعلى الصعد كافة. ولكن التدقيق في العلاقات الثقافية يكشف عن صورة أشد قتامة، ويضع المهتمين والمعنيين أمام وضع يستدعي التفكير والتدبر والمعالجة.

إذ أنه في الوقت الذي تستند فيه الثقافة العربية-الإسلامية إلى قاعدة عقيدية مشتركة بين العرب والمسلمين، قوية ووطيدة، هي الإسلام، وتنهل قيمها من مصدر رئيس فيها هو القرآن، وتستمد تلك القيم والأفكار والتعاليم من حمولة اللغة العربية التي تنهض بذلك بكل اعتزاز وجدارة، نجد أن التواصل والتفاعل الثقافيين بين العرب والمسلمين محدودان ويكادان يكونان معدومين، ونلمس ذلك أكثر ما نلمسه في مجال الأدب بوجه عام.

فلمعظم الأقطار علاقات موصولة، بل وراسخة، مع بلدان أوربا وأميركا وحتى مع اليابان والصين، ولكن ليس لهذه البلدان علاقات مماثلة مع باكستان وبنغلادش وإندونيسيا وماليزيا وتركيا وإيران والهند والفلبين من دول آسيا، وليس لها علاقات بالدول الإسلامية في أفريقيا أيضاً.

ونلاحظ أنه حتى لو قامت بعض العلاقات التجارية والسياسية، فإن العلاقات الثقافية تبقى محدودة أو معدومة، وكأنما هناك شبه اقتناع بتنفيذ ما غرسه الاستعمار وأسس له ونمَّا وجوده في بعض النفوس، من فعل لإحداث قطيعة بين العرب والمسلمين، والوصول إلى ضرب عرب بمسلمين، ومسلمين بعرب، ومسلمين بمسلمين، كلما لاحت الفرصة.. وليست حرب العراق وإيران، ولا تدمير العراق واحتلاله، ولا ما يجري في أفغانستان وغيرها من بلدان المسلمين.. ببعيد عنا، ولا نتائج ذلك بخافية علينا، ولا أغراض الاستعمار والصهيونية وأعوانهما الرامية إلى وضع العروبة في مقابل الإسلام والإسلام في مقابل العروبة، لأضعافهما معاً، بغائبة عن المدققين وصادقي الانتماء للأرض والتاريخ والحضارة والعقيدة في البلدان الإسلامية. فالعمل المنظم والحثيث لتفتيت الأرضية الثقافية المشتركة وإضعافها، من أجل التأسيس لتخريب ثقافي وإحداث فراغ يملأ بالثقافة الغازية التي أعدت لها العناصر البشرية القادرة على القيام بتلك المهام، سواء أكان ذلك من المستشرقين بانتماءاتهم أو من تلامذتهم من ذوي الولاء التام للثقافة الأوربية، غربية كانت أم شرقية، وللثقافة الأميركية.. إن ذلك العمل المنظم والحثيث والتخطيط الهدام كان ومازال ومستمراً.

ومنذ بدأت حركة تقهقر مد اللغة العربية والثقافة العربية في القرن الثامن عشر وبلغت تلك الحركة أوجهاً في النصف الأول من القرن العشرين، بنبذ كثير من الدول الإسلامية للحرف العربي في الكتابة، وولادة دعوات استعمارية، حملها عملاء وتلامذة للاستعمار، ومبهورون بقوته ونفوذه، متمثلون لسياسته وثقافته وممتثلون لسيادته وسطوته، والدعوات متواصلة لنبذ اللغة العربية الفصحى، والكتابة بالعاميات واعتماد الحرف اللاتيني في الكتابة، والوطن العربي وكثير من البلدان الإسلامية ينصرفون إلى ثقافة الغرب ويأخذون بها تتبعاً وتقليداً لمذاهبها ومدارسها وأساليبها وأعلامها ومعارفها، ويستهلكون الغث والثمين من إنتاجها. وعالمنا العربي والإسلامي، إبّان ذلك وبتأثير منه، يتناءى عن تراثه وتاريخه العظيمين، وعن واقعه ومحيطه وبيئته الحضارية الغنية، وعن صلاته ومجالات تفاعله المثمر، مع التربة الشاسعة التي تشكل عمقه الاستراتيجي في المجال الثقافي، أعني العمق الاجتماعي والسكاني للمسلمين. وهو في تنائيه ذاك كان مسبباً لضعف قوة تأثيره في مناخه الثقافي الإنساني، ولانصراف الشعوب الإسلامية إلى التعلق بثقافة الاستعمار، وأيديولوجيا القحط الروحي والإفلاس الفكري، التي ذرت قرنها في أرجاء عالمنا لفترة من زمن، وألحقت خراباً بالقيم والعقائد والنفوس والعقول، الأمر الذي انعكس سلبياً على ثقافتنا العربية ومداراتها الواسعة، وعلى أولئك الذين كانوا يسهمون على مدى التاريخ في غنى هذه الثقافة، والذين مازالوا إمكانية رائعة وأكثر من محتملة، لإثرائها. وكأن ثقافتنا العربية التي حققت بالإسلام وله "انتصاراته الباهرة من خلال ثورة ثقافية أعطت هدفاً جديداً للحياة، وأعطت حياة جديدة للكتل البشرية التي كانت تسكن الإمبراطوريات المضمحلة، ذلك الوقت- وقت انتشاره" كما يقول روجيه غارودي، كأن تلك الثقافة تنازلت عن دورها، وارتاحت من "عناء" المجد لفترة طالت، وجرّت على العرب وثقافتهم والمتعلقين بتلك الثقافة تخلفاً وتمزقاً وضبابية رأي ورؤية.

وإذا نظرنا اليوم إلى علاقاتنا الثقافية بوجه عام، وإلى الأدب والإبداع من مجالات تلك الثقافة بوجه خاص، والتمسنا نوعا من التواصل وظلالاً من التفاعل، لهالنا أضمحلال ذلك التواصل وضموره، ولأدركنا كم نحن مقصرون بحق أخوتنا وأنفسنا، وبحق أدبنا وإبداعنا وثقافتنا، ولوقفنا أمام ما يفرضه علينا ذلك التقصير، وعلى ما يفرضه الوضع المتآكل الذي ينطوي على خلل كبير، من ضرورة إجراء مراجعة وتصحيح مسارات عمل وتوجه، واستدراك لما يمكن استدراكه في مجال التواصل والتفاعل الثقافيين بين العرب والمسلمين في مجالات الفكر والأدب والإبداع.

يقول شاعر الباكستان العظيم محمد إقبال "ليس للمسلم وطن غير الإسلام". ومن البديهي أن الإسلام ليس تضاريس أرض بعينها، بوهادها وسهولها وأنهارها، وإنما هو وطن الروح والقيم والثقافة، ولن يكون ذلك على خير وجه وخير تجل له إلا في اللغة العربية، حيث تتحقق إمكانات "المواطنة" في تجليات إبداعها وإخلاصها وإتقان أدائها لمهامها ومعانيها ورسالتها. وإذا استطاع الحريصون من أبناء الأمتين العربية والإسلامية أن يستعيدوا لأنفسهم وبأنفسهم، زمام المبادرة لتأخذ لغتهم وبالتالي ثقافتهم مكانتها وتثبت حضورها وتمارس فعاليتها في الأوساط التي تتعلق بها وتتطلع إلى التواصل معها، فإنهم يهيئون بذلك مناخاً جديداً للإبداع في الثقافة العربية-الإسلامية، ولن يكون ذلك من دون ردم هوة تقوم بينهم وبين أبناء عقيدتهم، تتمثل في هذا الانقطاع المخيف في التبادل الثقافي وغياب أي شكل من أشكال التنسيق والتعاون والتعارف الثنائي بطرقه المختلفة.

وحين نصل إلى هذا الميدان، ولو متأخرين نسبياً، نشعر بأن إمكانية تلافي التقصير موجودة نظراً لأن الطريق الطويلة تبدأ بخطوة. ونؤكد أن رغبتنا كبيرة ومستمرة في مد جسور اتصال، سواء أكان ذلك عن طريق الترجمة، أو تبادل الوفود، وإقامة نشاطات ثقافية وفنية مشتركة، وعلاقات مباشرة، لنتعرف على ما يجري هناك، ولنقوم بواجبنا تجاه قرائنا لنعرفهم على مجالات إبداع أدبي يهمهم أن يتعرفوا عليها.

وأنه من الطبيعي والمنطقي أن يكون تواصلنا مع ثقافة تجمعنا بها أصول مشتركة، متيناً إلى حد كبير، وأن يقوم ذلك التواصل على أسس ثابتة، وأن يتم في الاتجاهين معاً، بين العربية وأبنائها من جهة، وبين لغات تلك البلدان وأبنائها، وعلى رأسها تركيا، من جهة أخرى.

ونجد أن هذا التوجه يفرض علينا أن نهيء عناصر بشرية متمكنة من اتقان اللغات التي يكتب بها الأدب في البلدان والمناطق الإقليمية المقصودة حتى نتخلص من الترجمة عن لغة وسيطة، يحجبنا  التعامل معها ومن خلالها، عن كثير من الإبداع الأدبي من جهة وعن التفاعل مع نصوص ولغة تعبير أصيلة تحمل حرارة الواقع وروح المبدع وتكون أكثر تعبيراً عن شخصية الأديب والمفكر وأسلوب كل كاتب وشخصه من جهة أخرى، أن جهداً خاصاً ومتميزاً لا بد أن تبذله الجهات المعنية والمسؤولة عن التبادل الثقافي بين بلداننا وثقافاتنا، وهذا الجهد ينبغي أن ينصب بالدرجة الأولى على تكوين القدرات البشرية المتمكنة من التعامل بوعي واقتدار مع معطيات معطيات الثقافة والحضارة ومكوناتهما، لاسيما مع اللغة، ومطلعة على الثقافة، ومتخصصة في مجالات أدبية بعينها، لتكون قادرة على إقامة جسور تواصل حقيقية بين المبدعين وتيارات الإبداع، بين المفكرين ومدارس الفكر ومذاهبه، فضلاً عن مسؤولية الجهات المعنية عن القيام بتمتين الروابط وعقد اتفاقيات التعاون والتبادل الثقافيين على المستوى الثنائي من جهة، وعلى المدى الإقليمي ـ العربي الإسلامي العام من جهة أخرى. ومن المؤكد أن هذا يحتاج إلى سياسة ثقافية شاملة تعمل عليها دول المؤتمر الإسلامي.

ونحن نعرف جيداً أن شيئاً من هذا الجهد يقع على منظمة التربية والثقافة "أسيسكو" التي تعمل في إطار المؤتمر الإسلامي، ولكن جهودها المشكورة لا يمكن أن تكون شاملة لجميع المجالات، ولا يمكن أن تكون بديلة للجهد الذي تقع مسؤولية بذله على عاتق كل بلد وكل مجموعة عمل معنية في مجال اهتمامها واختصاصها.

ومن هذا المنطلق فإننا نجد الفرصة سانحة للقيام بتعاون وتبادل ثقافيين في مجالات الأدب وميادين الإبداع الفكري مع أخوتنا في الشرق ، لاسيما تركيا وإيران، وصولاً إلى البلدان الإسلامية الأخرى، ونعتقد أن الفائدة ستكون كبيرة جداً يوم نقدم لأدبائنا وكتابنا ولقرائنا أيضاً مادة ثقافية وأدبية من أفريقيا وآسيا بالدرجة الأولى، ومن قارات الأرض كلها بشكل عام، تقوم على أرضية فكرية مشتركة، وتنطلق من قيم ومعايير واحدة، أو متقاربة.

وحين نقرأ نماذج من الشعر النضالي لغازي نظر الإسلام الشاعر المتمرد والثائر ضد الاستعمار والبؤس وأنواع القهر، مواطن طاغور ونظيره، أو حين نقرأ لفيض أحمد فيض -ويعرفه قراء العربية أكثر بفايز أحمد فايز خطأ- ونقف على نماذج من شعره بالأوردية ونلمس احترامه لأصالة الشعر في تلك البقاع التي تستمد نسغها من الموسيقا والبعد الروحي من شعرنا العربي أو تنهل وإياه من تربة واحدة، أقول حين نقف على نماذج من شعره مترجمة، وهو الذي قضى عمره يكافح مع الطبقات الفقيرة ولأجلها وصولاً إلى تجديد روح الحياة ووجه الباكستان، وحين نمعن النظر في تدفق نهر الألم والغربة في شرايينه وهو ساكن صابر مكابر يردد:

"الليل شديد العتمة

ولكن من عتمته تلك

يظهر جدول من الدم

هو صوتي

 

ويلمع في ظلاله المد الذهبي

الذي هو رؤياك."

"فجر الموجوعين والمصابين

لم يعد في السماء

هنا أفق الفجر الشفاف

حيث نكون أنا وأنت."

نجد أن هناك إمكانية حقيقية لمثاقفة بناءة ونماذج من العطاء، لا تنمو ظلالها في خطوط متوازية لا تلتقي، بل تتقاطع أشعتها وتنير مقطعاً ضخماً من أرض البشر، وتنطلق من مركز واحد لتتلاقى في مصبات قيم وإبداع.

وحين نقرأ من نجيب فاضل قِيصَاكوُرَكْ "فليكن عارا عليه"

أنثر البذور فإن لم تنبت فليكن عارا على التراب!

إن لم يصل الرمح هدفه فليكن عارا عليه!

 

يا أيها الجواد لا تعنِ إلا بعدوك!

إن هلكتَ فليكن عارا على والدتك !

 

الدلب القديم أصبح الآن شجرة عيد الميلاد؛

فليكن عارا على الأوراق الصّنعية على الأغصان!

 

إن بقى هذا البناء اليتيم لدى المعمار الماهر

فليكن عارا على التلميذ غير القادر على الاستمرار!

 

خطُّ النهايةِ هو في ما وراء الموت

اترك كل ما بقى خلفك فليكن عارا عليه!

 

يا أيها اللون الذي لم يبهت بين آلاف الألوان؛

إن لم تصر علَما فليكن عارا على العلَم!".

 

ندرك أن علينا أن عمل وليس علينا إدراك النجاح.

فهل حين نعرف كل هذا التقصير، وحين نتعرف على بعض ما في تلك البقاع من إبداع.. هل نملك سوى الاعتراف بأن هناك عالماً قريباً جداً منا أدرنا لـه ظهورنا، وأن هناك مسؤولية تجاه ما نمثله وما نحن مسؤولون عنه أمام شعوبنا، وأمام تاريخنا ومستقبل أجيالنا، تلقي ظلالها وأثقالها علينا، الأمر الذي يتطلب منا التفاتاً واعياً إلى ذلك المناخ الجديد الذي كان قريباً منا وبعيداً عنا في آن معاً.

إن هذا الجهد المتواضع جداً الذي نقدمه هنا يفتح أمامنا أبواباً كثيرة، لكنها تكشف عن أمرين هامين:

 

- مدى تقصيرنا في التواصل مع إخوتنا في الشرق عادة وفي الإسلام خاصة، ومدى تغرّبنا عنهم واغترابنا عن "أنفسنا" وبيئتنا الثقافية وخصوصيتنا القومية، منذ أن استلبتنا الثقافة الغربية-الاستعمارية، الإمبريالية وغير الإمبريالية.

- ومدى توقنا للتفاعل الخلاق مع محيط ثقافي واجتماعي غني وعريق، يحمل خصوصية وتنوعاً، ويفنى في الاغتراب والغربة من شدة المعاناة، وشدة الرغبة للعيش في أصالته وتربته وبيئته، يستنطقها دروساً ويجسد تواصله معها، ومع الحياة انطلاقاً منها، إبداعاً.

ولا أجد مناصاً من القول بمسؤولية أخوتنا في الشرق وفي الإسلام، عن شيء من التقصير حيال ثقافة هي لنا ولهم لحمة وسدى، وحيال عقيدة ولغة عقيدة، هي لنا ولهم أيضاً خير منقذ وخير دارة تواصل ودار إبداع وإشراق، وحرية وانعتاق.

إن المقصود هو أن يتعمق كل منهم في معرفة ما حوله والمعطيات الإبداعية والفكرية القريبة منه والمرتبطة على نحو ما بهويته وخصوصيته ومناخه الحيوي، ليكون أكثر ثراء وأكثر معرفة بأوجه الغنى والتنوع في الثقافة الإنسانية وهو يتابع مسيرة التقدم والمثاقفة والتواصل المعرفي مع الآخر، ويستشرف لنفسه ولأمته ولإبداع أمته، آفاق المستقبل. ويبحث عن الهوية والأصالة والتأصيل، ذلك الذي يثبت وجوده وخصائصه وحضوره بينما يخوض بعقل مفتوح ووعي وبصيرة، خضم الصيرورة مدى حياة الفرد والجيل، ومدى حيوية الثقافة والأدب على مر الزمن.

وهل هناك مخرج مما نحن فيه، لاسيما بعد أن تراجعت السياسة عن خلافاتها وحروبها الساخنة والباردة، وأخلت الميدان للثقافة والإبداع والفكر في ظل السلام والتعاون.. هل هناك من مخرج نحو النور سوى أن نتعارف ونتعاون ونجد ونبدع في إثبات الوجود لإعلاء شأن الإنسان والحضارة؟! وهل هناك ما يمنعنا من أن يلتفت بعضنا إلى بعض، وأن يغني كل منا مسيرة الآخر؟!.

 دمشق في9/4/2010

علي عقلة عرسان

 

 

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |