| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

هل ينتصر العقل ويستيقظ الضمير؟

من تراه الأسبق في التأكيد على أن تكرار الكذب يجعله حقيقة بنظر الناس، أهو غوبلز أم القادة الصهاينة وعلى رأسهم اليوم شمعون بيريس وبنيامين نتنياهو؟ ومن هو تلميذ الآخر في العنصرية هل ألمانيا النازية أم الحركة الصهيونية؟ ومن الذي أبدع في أساليب تزوير التاريخ وتشويه الحقائق وصورة الآخر، أهم النازيون أم الصهاينة؟ ليس بودي في هذا الحديث اليوم أن أقارن بين الصهيونية والنازية، ولا أن أتناول علاقة الصهيونية بالنازية ودور الأولى في التواطؤ مع الثانية على التنكيل باليهود، فيما يسمى " الهولوكوست" في أثناء الحرب العالمية الثانية، لإجبارهم على الهجرة إلى فلسطين لتحقيق الحلم الصهيوني الذي كان غاية في الإجرام، احتلال فلسطين... لا أرمي إلى ذلك الآن فله مجال آخر. لكن ما أود تأكيده هو أن اليهود منذ ما قبل تآمرهم على السيد المسيح وصلبه، وحتى يوم الناس هذا، وهم من يبدعون في الكذب ويشوهون التاريخ والوقائع ويفترون، ويشكلون مدرسة أنموذجية في الأداء العنصري، ويهددون الآخرين ويعتدون عليهم، وهم من يعمل على جعل قيادات الدول الكبيرة تخضع لمطالبهم وإرادتهم وبرامجهم العنصرية بوسائل شتى من الابتزاز والفساد والإفساد.

لقد طالعنا في الأسبوع الماضي صهاينة على رأسهم بيريس ونتنياهو، ومنهم متان فلنائي نائب وزير "الدفاع الإسرائيلي" بأكاذيب طازجة، مدروسة ومعلنة لتحقيق أهداف تكتيكية واستراتيجية معاً، فقالوا: " إن سورية تنقل صواريخ سكاد إلى حزب الله "، وجاءت تهديداتهم لها معبرة تماماً عن روحهم الإجرامية وتاريخهم الأسود، حيث قالوا: "في أي تحرك لحزب الله سنهاجم سورية"، و "سنعيد سورية إلى العصر الحجري.".. وأوعزوا لأدواتهم في الولايات المتحدة الأميركية لكي تتحرك، فاستنفرت وزارة الخارجية الأميركية، واستدعت دبلوماسياً سورياً وأبلغته احتجاجها على "تزويد سورية لحزب الله بصواريخ سكاد"؟.. وأشارت بأشكال مختلفة إلى ما يشبه الوعيد.. ومن عجب، ذي سوابق في العجب، أنه في المؤتمر الصحفي الذي عقده المتحدث باسم الخارجية الأميركية فيليب كراولي بعد ذلك، قال: " للصحفيين في رد على سؤال حول ما إذا كان لدى واشنطن أدلة على إرسال تلك الصواريخ: "إننا لم نتحقق بعد ما إذا كانت قد جرت عملية نقل لتلك الأسلحة.. لم نتوصل إلى أي رأي قاطع بهذا الشأن.".!! فهل بعد هذا دليل على أن واشنطن تتصرف ثم تفكر حين يتعلق الأمر " بإسرائيل"، وأنها تقوم بما يأمرها به اللوبي الصهيوني ولا تفكر في الثمن الذي تدفعه ويدفعه العالم من جراء ذلك ـ والعراق من نماذجه ـ بسبب الانحياز الأعمى للصهيونية، والكذب والتزوير اللذين تمارسهما تلك الدولة القذرة " إسرائيل" التي ورثت تاريخ الكذب والتزوير والعنصرية اليهودية ـ الصهيونية ونمته وأنشأت له مؤسسات عصرية مؤثرة في السياسة والرأي العام؟! "الكذب المتكرر يصبح حقيقة بنظر كثير من الناس"، هذا ما قاله نتنياهو بالأمس، وهذا ما يمارسه هو وغيره م الصهاينة أباً عن جد، وهذا مما علمه الصهيونية العنصرية للنازية، فنطق به غوبلز ومارسه.

إن الرئيس أوباما نفسه يخضع لضغط الصهاينة وأنصارهم منذ أدرك " أن حل النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني هو مصلحة قومية – أمنية حيوية للولايات المتحدة، وأن هذا النزاع يكلف الولايات المتحدة الدم والمال.."، ومنذ أن "ربط بشكل مباشر بين النزاع وبين أمن القوات الأمريكية."، وطالب بوقف الاستيطان في القدس، وقال: " إسرائيل هي السبب في الجمود السياسي في المنطقة."، ولوَّح بإمكانية أن يطرح على الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني خطة سلام مستقلة من جانبه" ـ وهي فكرة نفاها رام عمانوئيل ـ ومنذ بات " ينتظر وما زال، تقديم أجوبة على أسئلته الموجهة إلى نتنياهو، الذي لم يجب عليها، ولن يجيب عليها، لأنه حولها بالضغط المبرمج إلى مشروع اتفاق أميركي ـ إسرائيلي يجري بحثه الآن بين الطرفين من جهة، وإلى قضية أميركية داخلية هي مجال صراع جمهوري ـ ديمقراطي تتفاعل حتى الانتخابات القادمة في نوفمبر من هذا العام من جهة أخرى.. وقد أدخل على الخط من أسميهم "عصي إسرائيل الغليظة" في الولايات لمتحدة الأميركية، وعلى رأسهم اللوبي الصهيوني، وأشخاص نافذين مثل رئيس الكونغرس اليهودي العالمي رون لاودر والحائز على جائزة نوبل ايلي فيزل.. وغيرهما من رجال السياسة والكونغرس والمال، ومراكز البحث والصحافة التابعة لهم..إلخ ليمارس الصهاينة وأصدقاؤهم بذلك الضغط القوي ، ويخضعوا الإدارة لمشيئة إسرائيل، فتُقبل على تنفيذ التزوير الصهيوني بقوة ونشوة، وكأنها تلتزم بمبادئ وأخلاقيات.. وقد ظهرت بوادر ذلك في تصريحات مسؤولي أميركيين منهم الرئيس أوباما وآخرها تصريح رئيس طاقم البيت الأبيض رام عمانويل الذي أكد أنه: ".. مهم أن يعرف كل واحد في المنطقة، بأن علاقتنا مع إسرائيل لا تهتز، سواء في كل ما يتعلق بالأمن، أم ما يتعلق بالقيم المشتركة، والرؤيا الاستراتيجية". ومن المهم أن نلاحظ هنا الإشارة، ذات الدلالة القوية، إلى "الرؤية الاستراتيجية" بين الولايات المتحدة الأميركية و"إسرائيل".

إن الموقف الأميركي ـ الإسرائيلي واضح، والتحالف العضوي بينما مستمر.. وإن الاستيطان، والتهويد، والترحيل، والتصفيات الجسدية، والحصار القتَّال.. والموقف من القدس الذي لخصه ليبرمان بوقاحته المعهودة، أمام كل سفراء العالم في القدس، حين قال بمناسبة احتفال العدو الصهيوني بكارثتنا نحن، وبما يسمونه العيد الثاني والستين للاستقلال، حيث قال: " اليوم، أقف أمامكم في القدس وأؤكد أقوال بيغن: المدينة ستبقى عاصمتنا، ولن تقسم أبداً.".. إن كل ذلك، إضافة إلى الاستهداف لكل من يعترض على الاحتلال الصهيوني ويناصر المقاومة وخيار التحرير، قائمٌ ويتصاعد: إسرائيلياً وغربياً.. وحتى عربياً من بعض الأطراف التي قال قائلها بلسان عربي: ".. كصديق للإسرائيليين وللفلسطينيين أسأل.. إلخ"، فأوضح بذلك أن المسافة بينه وبين كل من الإسرائيليين والفلسطينيين واحدة، فهو صديق للطرفين، وليس صاحب قضية تميل به إلى طرف منهما.

فما هو الموقف العربي حيال هذا، وما الذي يمكن فعله ونحن في خضم توتر متصاعد، واستعداد عسكري مستمر، قد يفضيان إلى حرب عدوانية تشنها " إسرائيل" في الصيف القادم، وهي التي تكرر " سيناريو" يشبه ما كان قبل العدوان على العراق 2003 وتقول على مسمع من حلفائها والعالم:" سنعيد سورية إلى العصر الحجري"؟؟ وهل ذلك الذي تقوله وتتوعد سورية به، ممكن وبهذه البساطة، أم أن لسورية ما تواجه به وما يجعل من الحرب المحتملة سجالاً وليس نزهة؟ وهل هي منفردة في تلك المواجهة المحتملة إلى الحد الذي يجعلها وحيدة معزولة.؟

في أية مقاربة لهذا الأمر، من الواقعي بل من الضروري أن نضعه في سياق الأحداث والأوضاع العامة القائمة في المنطقة.. فمن الواضح، في هذا المجال، أن الأمر يتعلق بالدرجة الأولى بمواجهة مع إيران، على خلفية ملفها النووي، وهي مواجهة يُعد لها الأميركيون والصهاينة جدياً ويهيئون الرأي العام الدولي وشركاءهم لها، ولتلك المواجهة جوانب عدة: اقتصادية، وأمنية ، وعسكرية، وسياسية.. إلخ وانعكاساتها على المنطقة ولا سيما على لوطن العربي. وحسابات تلك المواجهة، أو معادلاتها، لا تخرج سورية وحزب الله ـ أو لبنان ـ خارج دائرتها، والمحاولات تبذل منذ سنوات لفك الارتباط بين سورية وإيران، لأنه إذا تم ذلك انتهى دور حزب الله أو تقلص، ولم تعد قوته التي انتصرت في حرب تموز / آب 2006 مقلقة للكيان الصهيوني.. وقد تم سعي كبير لتحقيق ذلك وضغط على سورية وتهديد لها من أجل الوصول إلى قطيعة ع إيران.. هناك الآن من يقترح أن يُعرض على سورية " الجولان مقابل إيران"، كما أن هناك أطرافاً عربية تقف ضد التقارب الإيراني السوري من حيث المبدأ، ومن ثم ضد المقاومة وما يسمى دول الممانعة أو "محور المتطرفين".

إن وتيرة التهديد والاستعداد لما هو أبعد من العقوبات على إيران يتصاعد، وإيران تدرك أبعاد ذلك وتستعد له استعداداً واسعاً، وهي مستعدة إلى المضي نحو مقولة " علي وعلى أعدائي" إذا ما استهدفت عسكرياً، وقد قالت مؤخراً بلسان وزير خارجيتها منو شهر متكي، في مؤتمر صحفي بعد انتهاء مؤتمر نزع السلاح وحظر الانتشار النووي: " إن جبهة تمتد من الحدود الصينية وحتى الحدود الفلسطينية هي تحت قيادة إيران، وعليهم أن يعرفوا بأنهم يتبعون سياسة خاطئة، إنهم أرادوا إيقاع منطقتنا في أسرهم لكنهم سرعان ما وقعوا في أسر منطقتنا.". بهذا الوضوح تبدو المواجهة المقبلة، أو المحتملة ذات أبعاد واسعة وخطيرة وربما تكون شاملة. وسورية التي تريد " إسرائيل" قطيعة مستمرة بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية، وسوء تفاهم دائم معها، ولا يرضيها أن يين سفير أميركي فيها، وتعمل على خذلان العرب لها أو بعضهم على الأقل.. سورية التي تتعرض لتهديد بهذا الشكل الوقح من " إسرائيل، لن تستسلم للمطالب الصهيونية مثلما لم تستسلم سابقاً للضغط والتهديد الأميركيين، ولن تكون فريسة سهلة، وليست بلا أنياب وأظفار.. و" إسرائيل" تدرك ذلك جيداً، فقد قال متان فلنائي نائب وزير الدفاع في خطاب لهفي بئر السبع: "دولة إسرائيل دون صلة بصواريخ سكاد هذه أو تلك مغطاة حتى منطقة متسبيه رمون بصواريخ توجد لدى حزب الله والسوريين"، وقال أيضاً: "العرب فهموا بأن لا فرصة لهم للانتصار على الجيش الإسرائيلي في ميدان المعركة، وطوروا لأنفسهم قدرة بوسعها ظاهراً أن تتجاوز الجيش الإسرائيلي وأن تنتصر على الجيش الإسرائيلي من خلال السكان.".

إذن هناك حسابات معقدة جداً في المواجهة القادمة تجعلها، إن هي وقعت في المنطقة، كارثية وشديدة التأثير في مستقبل المنطقة والعلاقات الدولية، وربما تكون مواجهة حاسمة على نحو ما.. وإذا ما وضعت إدارة الرئيس أوباما في رأس اعتباراتها وحساباتها "مصالحها، وديونها، ووضعها في العراق وأفغانستان، ونظرة العالم الإسلامي إليها ومستقبل علاقاتها معه، وتوقفت عند تاريخ الكذب والافتراء والعنصرية الصهيونية، وبرنامج الإبادة الموجه ضد الشعب الفلسطيني من دولة الكيان الصهيوني التي تستعدي العالم على سورية والمقاومة وعلى إيران بذريعة سلاح نووي محتمل، تملكه هي منذ خمسة عقود.. إذا ما فعلت الولايات لمتحدة ذلك وتدبرت الأمور بحكمة وفطنة، فإنه يمكنها أن تجنب المنطقة والعالم حرباً مدمرة، وتجنب نفسها انزلاقاً أكبر نحو الهاوية.. فهل يتراجع التحالف العضوي بين الدولتين لمصلحة الصدق والحق والحكمة والسلام العادل؟ هل ينتصر العقل ويستيقظ الضمير؟ إن ذلك سؤال رئيس، وما نتطلع إليه هو من الأمور التي نشك بإمكانية حدوثها، ودونه خرط القتاد فيما يبدو.. لأن تاريخ العلاقة الصهيونية ـ الأميركية، وأبعاد التحالف الاستراتيجي بينهما، وخضوع الإدارة الأميركية المستمر للكذب والنفوذ الصهيونيين، وتمويلها للاحتلال عملياً.. كل ذلك يشير إلى عدم إمكانية أن تسود الحكمة، وأن يتحكم العدل والإنصاف والصدق في المواقف.. وعلينا إذن أن نستعد لكل الاحتمالات.. ومن يطلب الحرية والكرامة يطلب نوع حياة وليس أي نوع من الحياة قد يكون الموت أفضل منها.

وقل لن يصيبكم إلا ما كتب الله لكم.

دمشق في 24/4/2010

علي عقلة عرسان

 

 

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |