|
| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث | |
|
نحو ثقافة سياسية مشتركة يبدو لي أن ما يبني الإنسان جسدياً ونفسياً واجتماعياً وروحياً يكون مصلحة بشرية عامة ومسؤولية إنسانية مهمة، ويبقى في صالح الحياة والتقدم والاستقرار والازدهار، ومن ثم يمكن أن نقول إنه أخلاقي وحقّاني وحيوي: أخلاقي من حيث القيمة والمبدأ والسمو، وحقّاني من حيث العدل وترتيب الحقوق، وحيوي من حيث توافر صحة البنية الفردية التي ترتبط بصحة البنية المجتمعية والثقافية، وبسلامة مناخ العيش، والعلاقات المتبادلة بين المجموعات البشرية، سواء أكانت أمماً وشعوباً، أم دولاً ومناطق إقليمية.. وما يبني المجتمع يبني الفرد والعكس يمكن أن يكون صحيحاً، وما يبني الجماعة يبني الدولة، إلا في حالة وضع فرد لنفسه أو مجموعة بشرية أو دولة لنفسها فوق الآخرين بالقوة والطغيان، وبناء الذات الفردية أو الجمعية على حساب المجتمع ومصالحه، أو بناء مجتمع أو دولة على حساب حضور الأفراد وحقوقهم، أو على حساب مصالح شعوب ودول أخرى وعلاقات سليمة بينها. وسلامة المجتمعات وصحتها واستقرارها وازدهارها كل ذلك منوط بالدول والسياسات وأحكامها وتوجهاتها ومعاييرها وأهدافها ووسائلها..إلخ، فالسياسات تبني الأوطان والمجتمعات أو تهدمها، تعزّها أو تذلها، تنعشها أو تميتها، وتؤثر في المحيط الدولي القريب والبعيد، ومن ثم في المناخ السياسي العام الذي يحكم حياة الدول والمجتمعات وعلاقاتها، ومناخ الحياة البشرية في عصر من العصور. والصلة بين الثقافي والسياسي في هذا المجال سليمة ووطيدة، ولا يمكن أصلاً فصل الثقافي عن السياسي فهما يتداخلان وقد يتكاملان، ولكن ينبغي ألا تقوم العلاقة بينهما على التبعية ولا على معطيات ومقومات وعلاقات مرَضيَّة يداخلها ويساهم في إفسادها المال والمصالح والتلميع وما إلى ذلك، لأن الثقافي من حيث العمق والأبعاد والشمول له تأثير عميق في تكوين السياسي من جهة والوجدان الجمعي من جهة أخرى، وهو مؤتَمن على شرف فكر وكلمة وموقف، وعلى رسالة ومصالح هي للمجتمع، للشعب، للأمة، للوطن، للدولة، للإنسانية.. وهو عون للسياسي وعهده أيضاً إذا أراد أن ينتفع بالثقافة وجهد أصحابها وإبداعهم. ولأننا نأخذ بمبدأ عدم التبعية ذاك ونجد فيه خيراً للجميع، فإننا نرى ضرورة تكوين/ واستقلالية كتلة، أو " جبهة" ثقافية، تحرر ساحتها، وتنضج رؤاها وتوضحها، وتعلن مواقفها وتدافع نها، ويتكامل جهد أعضائها فيما بينهم بوصفهم مخلصين للحقيقة والعدالة والحرية والمبادئ، وللمصلحة العليا للوطن " للقومية"، وللمواطنة، والأمة، وللقيم الإنسانية والمصالح العليا للبشر. جبهة ترفع القيمي والمبدئي والأخلاقي فوق الاعتبارات الأخرى، ولا تأكل بثدييها، وتوازن بين المادي والروحي، وتعلن رأياً وموقفاً من سياسات وممارسات لا تنسجم والشرائع والقوانين وكرمة الإنسان وحقوقه وحرياته، وسلامة مناخ العيش والبيئة والنمو المادي والروحي للأفراد والمجتمعات.. وعلى هذا فإن على جبهة ثقافية في هذا الإطار أن تغلق سوق الكلام الذي يفتحه ساسة أو مثقفون، وتدعوا إلى إغلاقه لتقوم علاقة سليمة بين الثقافي والسياسي، وعليها أن تخلص لرسالة الفكر والكلمة، وتثبت حضورها وفعاليتها واحترامها لدى الجمهور المتلقي للفكر والمعرفة والرأي، ولدى صانع القرار.. جبهة لا يطعن أي من أعضائها وأطرافها ظهر الآخر، ولا يسلمه أو يخذله، مهما كانت التوجهات والأيدلوجية وخلافات الرأي، وتقف بوجه الظلم والقهر والابتزاز والسياسات المتحللة من كل مبدأ وقيمة وخلق ومسؤولية، لأنها تأخذ على عاتقها رسالة الثقافة والكلمة، وتعمل وفق سلم قيم ومعايير سليمة للتعامل والتفاعل والتواصل مع من يطلب المعرفة ويحتاج إليها، ومع من ينبغي أن تشكل له المعرفة رافعة للرأي والقرار والحكمة.. وعليها أن تثبت على ترسيخ ذلك في السلوك والممارسات. لقد أصبحت السياسات في عصرنا هذا، بحكم العولمة والتقدم العلمي والتقني والمعلوماتي، وأساليب الاتصال والتواصل، ذات تأثير مباشر وغير مباشر في مجالات الحياة كلها، وامتدت خارج حدودها الجغرافية والسكانية بكثير، وهي تؤثر في معظم البلدان وعلى مصالح الأفراد والمجتمعات بحكم التواصل والتفاعل.. وهي، بكل أسف، لا تأخذ البعد المبدئي، القيمي والأخلاقي منه على الخصوص، بالاعتبار، ولا تقدم الأخلاق معياراً في الكثير من المواقف والسلوك والقضايا، "فالغاية تبرر الوسيلة" عند معظم الأقوياء والنافذين، والمصلحة الضيقة والرغبة في الهيمنة عوامل حاكمة في كثير من العلاقات الدولية والسياسات، بعيداً عن البعد الإنساني للثقافة وما تشتمل عليه من قيم ومبادئ ومعارف وما ترتبه من حقوق وواجبات. ولهذا انعكاسه وتأثيره في حياة الشعوب والدول وفي علاقاتها بعضها ببعض، وكذلك في أمور الحرب والسلم والأمن والاستقرار والتنمية والازدهار. ويعني تفلّت السياسي من دائرة المبدئي والخلقي ومعاييرهما، وتهميش موقعهما ومكانتهما، تهميشاً للبعد القيمي والإنساني في الثقافة، وتملصاً من مسؤولية اجتماعية ذات بعد داخلي وخارجي شمولي، وطني وقومي وبشري، ومن حقوق عامة للإنسان تتصل بصلب وجوده وحياته وكرامته، بصرف النظر عن عرقه ولونه ودينه، وعن كونه مواطناً في هذه الدولة أو تلك، وفرداً في هذه الجماعة أو تلك، ومن أتباع هذه العقيدة أو تلك.. كما يعني زرع الألغام تحت أية صيغة من صيغ التعايش والعلاقات والصلات المجتمعية والدولية، والاعتماد المتبادل بين الدول والشعوب، وتحت الاستقرار والسلم والأمن في دوائرهما وأبعادهما المختلفة.. فغياب العامل القيمي ـ الأخلاقي أو تغييبه كلياً في رسم السياسات والاستراتيجيات ومواقع صنع القرارات، والنظر إلى المصلحة من منظار أناني ضيق، هو تغييب للوعي المعرفي الذي تصنعه الثقافة، وللمسؤولية الجماعية في شمولها البشري وبعدها الإنساني، وتمكين لانعكاس نتائج ذلك، وارتداده سلبياً، على دوائر بشرية قد تضيق جداً أو تتسع، ولكنها تبقى جاذبة للتوتر، وحقولاً للألغام، ولن تسلم منها الدوائر ذاتها التي صنعت سياسات ووضعت استراتيجيات على أساس المصلحة الضيقة والسطوة والقوة والهيمنة والسلب والنهب، بعيداً عن المعايير الخلقية، والاعتماد الاجتماعي والدولي والإنساني المتبادل، والمسؤولية البشرية العامة، وحقوق الإنسان. وكأنموذج لسياسات وممارسات مبنية على ثقافة سياسة غير مقبولة ولا متوازنة ولا مسؤولة، نسوق أنموذج الولايات المتحدة الأميركية وممارساتها، تلك الدولة التي قامت منذ نيف وثلاثمئة سنة واستمرت على سياسات وممارسات وقيم، تدخل في باب المدان والكارثي والعنصري، فضلاً عن المستغرب والمستهجن والمرفوض قانونياً وخلقياً: ـ لقد قامت الولايات المتحدة الأميركية على أعمدة رئيسة، تحدد جوهر ثقافتها السياسية، أو مفاهيمها السياسية، واعتمادها مبادئ غير أخلاقية في السياسة، بمعنى يجسد عنصرية وميكيافيلية صارخة، وممارسات عنصرية أصبحت ديدناً استعمارياً طغيانياً بامتياز، ومنهجاً للسلب والنهب وإرهاب الإمبراطور، فقد قامت بـ: 1 ـ إبادة الجنس، حيث أبيد أكثر من خمسين مليون من الهنود الحمر، على أيدي المؤسسين وأتباعهم، وقضي كلياً على حضارات منها حضارة الأنكا وسواها، حتى تقوم الدولة. 2 ـ عبودية الزنوج الأفارقة، والتمييز العنصري ضدهم، وقتل الآلاف المؤلفة منهم، وتعذيبهم واضطهادهم. ويمكن تذكر ما جرى لهم في ما سمي بـ "طريق الدموع" حين قطعوا أكثر من ألفي كيلو متر مشياً، من أقصى الولايات المتحدة إلى أقصاها، وتخطفهم خلالها الجوع والمرض والأوبئة.. لتقام لهم معازل. 3 ـ استخدام القنابل الذرية لأول مرة في تاريخ العالم، وذلك ضد اليابان في هيروشيما وناغازاكي، بعد استسلام اليابان في الحرب العالمية الثانية. 4 ـ استخدم السلاح الكيمياوي، "سلاح الأورانج"، ضد فيتنام.. في الحرب القذرة ضدها، وما زال الفيتناميون يعانون حتى الآن من أثار ذلك السلاح، بعد مرور أكثر من ثلاثين سنة على تلك الحرب.. ومثل ذلك حروب في آسيا بين الكوريتين وغير ذلك في أنحاء متفرقة من العالم. 5 ـ سلب ونهب ثروات الشعوب، والتدخل في شؤونها بأشكال مختلفة. تلك العوامل المؤسسة للدولة وهي إبادة الجنس والعبودية والعنصرية، واستخدام الأسلحة المحرمة.. هي التي تكون أسس الثقافة السياسية في تلك الدولة المتغطرسة، التي دمرت العراق بطلب صهيوني وتحقيقاً لمصلحة أميركية، وما زالت تشن الحروب وترتكب الجرائم في أفغانستان، وفي باكستان " بالوكالة" وفي سواهما.. وتدعم عنصرية الصهاينة واحتلالهم وممارساتهم في إبادة الجنس والحصار والعدوان. ـ ممارسات رهيبة، في سجون سرية وغير سرية، منها "غوانتنامو" وأبو غريب وغيرهما. ذلك أنموذج لسياسة تحكم العالم وتتحكم به وتقرر ما تشاء في ازدواجية معايير غريبة، من خلال مجلس الأمن الدولي، تشكل غطاء وحماية للعنصرية الصهيونية الأبشع، وتنحاز ليها وتحمي احتلالها واستيطاناً وعدوانا، وممارساتها لعنصرية.. فالعنصري يتعاطف مع العنصرية لأن التكوين الثقافي واحد، والطينة واحدة. وبعد هذه المقاربة السريعة لنوع من الثقافة السياسية يحق لنا أن نقول بضرورة قيام قواعد قيمية وخلقية حاكمة، فلابد للسياسي أن يخضع لمعيار خلقي ـ قيمي ـ إنساني، وألا يبقى كتلة شر منفلتة من القوانين والعقل والوجدان وحق الآخر في الحياة. وربما جازت المطالبة، في عالم غدا قرية صغيرة متشابكة المصالح والصلات والعلاقات ومتداخلة المشكلات والأزمات، ويطغى فيها نفوذ القطب الأقوى على القوانين والمؤسسات الدولية، بأن تحتل حقوق الإنسان العامة، وقضايا التكافل الاجتماعي الواسع النطاق، والاعتماد المتبادل بين الدول والشعوب والتكتلات الدولية، مكانة عالية ينبغي على كل سياسة واستراتيجية أن تراعياها وتضعا معياراً قيمياً وخلقياً يساعد على ضبطها وترشيدها، وأن ترتب مسؤولية قانونية واجتماعية وإنسانية على من يتجاوزها، وألا يفلت المسؤولون عن التجاوز من الحساب والعقاب، وهي معايير قد تتعارض مع مصلحة ضيقة لحاكم أو نظام أو مجتمع أو دولة، ولكنها تصب في المصلحة البشرية العليا، وفي دائرة الحقوق العامة للإنسان، وسلامة البيئة والطبيعة، ومقومات العيش المشترك لبني البشر في أرض البشر. وعليه فالسياسات مطالبة بألا تلغي الآخر ولا سلَّمَ القيم، لا سيما الأخلاقية والإنسانية العامة منها، وبأن لا تهمّش ذلك حين تحدد أهدافها وترسم استراتيجياتها وتتوسع في دوائر طموحها، وأن عليها أن تأخذ بالاعتبار معياراً حاكماً متفقاً عليه في هذا المجال، يرتب الخروج عليه مساءلة ومحاسبة .. لأن في إلغاء هذه الجوانب توظيفاً خطراً للقوة، وإباحة مطلقة للقوي بأن يستخدم كل الأساليب والأسلحة والوسائل والأدوات لبلوغ الأهداف والغايات التي يتطلع إلى بلوغها، بصرف النظر عن أية معايير وضوابط وقوانين وتشريعات وشرائع.. كما يعني تملصاً من ضوابط فكر وعقل وفعل وسلوك، داخلية وخارجية، لحساب مصالح وخصوصيات ونزعات استعلائية عرقية أو قومية أو قطرية أو دينية أو طائفية..إلخ وهذا ينعكس عدم استقرار وفوضى عالمية، ويؤسس لفتن وصراعات دامية، لأنه يسبب للظلم، ويشيع القهر، ويلغى حقوقاً لأفراد ومجتمعات، ويفرض بالقوة شرعية لما لا شرعية ولا مشروعية له، والقوة تستنهض بدورها القوة المضادة، وتستدعي التمرد وتثير الصراعات والحروب.. وعلى من تعنيهم مصالح بلدانهم وشعوبهم، في ظل الفوضى والغطرسة، أن يتضامنوا ويتعاونوا لتحقيق الحد الأدنى من الحماية لمصالحهم ووجودهم وحقوقهم، ولوضع حد لمنطق يجعل من القوة العمياء والطغيان الدموي والغطرسة العنصرية، قاعدة ومعياراً، ومسوغاً للأفعال العدوانية والممارسات الوحشية. وهذا الهدف هو من صلب الأهداف المشتركة التي تجمع دولاً عربية وإفريقية في هذا اللقاء، لأنها تعاني من صلف القوة العمياء، وغطرسة الطغيان الدموي، ومن فوضى، يسميها البعض خلاقة، مع أن الفوضى لم تكن خلاقة ولا بناءة في أي يوم من الأيام.. لكي يدافعوا عن وجودهم ومصالحهم وهوياتهم القومية وتمايزهم الثقافي، وإنسانيتهم المنتهَكة. إننا نسلم للسياسي بأن يتخذ كل القرارات التي تنفذ التكتيك الذي يكون أصلاً في خدمة الاستراتيجية، شريطة أن تكون السياسات والاستراتيجيات ذاتها، الداخلية منها والخارجية، في خدمة العادل والإنساني والسلمي والتنموي، وذات بعد اجتماعي شامل في الاتجاهين الأفقي والعمودي، وليست مجرد بلوغ أهداف وغايات بأية وسائل وأساليب وأدوات، لتحقيق مصالح وسطوة وسيطرة وتوسيع دوائر نفوذ وهيمنة، بصرف النظر عن النتائج وعن حقوق الآخرين ومصالحهم الحيوية.. نعم إن السياسات قد تكون في خدمة شعب لتحقيق أمنه من جوع وخوف، وقد تنبع من وعي تاريخي يُتَرْجم إلى أهداف ثابتة، في إطار الحرص على وجود الدولة والأمة أو الشعب ومصالحه وهويته وحقوقه وحيويته، ولكنها قد تكون أيضاً في خدمة شخص أو مجموعة أشخاص ونظام وشركات ومؤسسات ومصالح ضيقة، متورمة وسرطانية في أحيان كثيرة، وتتم على حساب مواطنين ومجتمعات ودول أخرى، ومقومات عيش شعوب أخرى وأمنها.. وفي كل الأحوال ينبغي ألا تتجاوز أية سياسة الآخرين ومصالحهم ومقومات وجودهم وحياتهم وثقافتهم، شأنها في ذلك شأن الحرية الوضعية، من حيث هي ممارسة واعية ترتب المسؤولية، وتنتهي حدودها عندما تبدأ حدود الآخرين وحريتهم. والسياسات الحكيمة والرشيدة ينبغي أن تراعي العلاقة بين المادي والروحي، السلطوي والإنساني، الذات والآخر.. وأن تُرسم وتنفذ، على أساس، وفي إطار، رؤية متكاملة للمجموعة البشرية التي لها مصالح وحريات ووجود متمايز، ولأفرادها حقوق في الحياة إذا ما انتهكت تفجر الصراع وسالت الدماء، وانعدم الأمن، وتوقف النمو، وسُدَّت أبواب الأمل ومفاعيل العقل والحكمة.. وجرت دماء المدنيين الأبرياء، حيث هم يستباحون مع حقوقهم وممتلكاتهم في كل موقع من مواقع الصراع، ويدفعون الثمن الفادح في كل حرب.. والأمثلة على ذلك كثيرة ومثيرة في كل من بلدان إفريقية كثيرة وفي الوطن العربي، الأمر الذي يجعلنا نطالب الدول والساسة والمنظمات والتنظيمات الشعبية بـ: ـ مراعاة جانب إنساني وأخلاقي واجتماعي "تضامني ـ تكافلي" في السياسات والاستراتيجيات، يحفظ للآخر حياته وشروط عيشه وأبسط حقوقه وإنسانيته، وينمي فيه الأمل وحب الحياة والإقبال عليها، والتعلق بالعدل والحرية. ـ وبتضامن المستهدَفين بالسياسات العدوانية، دولاً وشعوباً وتجمعات بشرية، وتلاقيهم على أهداف مشتركة، يتحقق لهم الحد الأدنى من حماية الأرض والحقوق والحريات والمصالح ومقومات العيش، ويتمكنون من أن يقفوا بوجه الذين ديدنهم العدوان والهيمنة والسلب والنهب، ومن يرتبط بهم وينفذ خططهم، وبوجه الذين يغامرون ويستهينون بحياة الناس وعلاقات الدول من أجل طموحات شخصية ومصالح يحكمها جشع أفراد وشركات ودول، وهي لا تتحقق إلا على حساب كل ما هو عادل وإنساني وقيمي وسلمي في الحياة، وعلى حساب حياة دول وشعوب وأمنها واستقرارها وتقدمها. وعلى الدول والمجموعات البشرية المستهدَفة بالعدوان والاستغلال بأشكال مختلفة، والعرب والأفارقة على رأس المستَهْدَين في هذا المجال، أن تقيم تكتلات دولية وبشرية، بهدف حماية نفسها من سياسة دولة أو أحلاف وتكتلات دولية، أو سياسيات طغيانية، أو شبكة طغاة، يرون أن لهم الحق، بحكم القوة والمصالح وتنفيذاً لأطماع لا تُحد، في أن يستبيحوا ما يشاءون ومن يشاءون، استناداً إلى منطق القوة العمياء، لبلوغ أهدافهم، على قاعدة: "الغاية تبرر الوسيلة"، ومبدأ استخدام القوة لفرض رؤى وآراء وسياسات ومصالح، ومنطق "خذ ولا تسأل كيف، وافعل شرط ألا تخفق، لأن المهم أن تنجح بأية وسيلة، وعندما تنجح تكون على حق مهما فعلت؟!" ويصبح النجاح الدامي أخلاقياً وعادلاً ومعياراً للفعل الحسن، وحاكماً للمعايير وللسلوك، وللآخرين أيضاً، حين يتم ويتوَّج!؟ وهذا أساس ما فعلته الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، وما فعله ويفعله الصهاينة في فلسطين المحتلة، وما تعرضت له شعوب وجماعات ودول إفريقية وقعت ضحية لغزو استعماري، ولعنصرية بغيضة وعبودية مقيتة، ونهب لثروات لا حصر لها.. وعندما يكون ذلك هو ديدن الطغاة والمغامرين والمقامرين بحياة الشعوب، فإن من حق الشعوب والدول التي يستهدفها العدوان والطغيان، بل من واجبها، أن تتضامن وتتعاون لتدافع عن نفسها، ومن واجب الدول والشعوب والمجموعات البشرية الأخرى أن تنصرها.. إن على المستهدفين عموماً أن يتضامنوا وينصر بعضهم بعضاً، دفاعاً عن الوجود ودرءاً للشر والقتل والدمار.. وردعاً للنزوع العدواني الاستعماري التدميري، ووقوفاً بوجه الغزو والعدوان والنهب والعنصرية الجشع..ودفاعاً عن السلم والحضارة والعلاقات البشرية البناءة..إلخ. وقد كان هذا من أهداف مؤتمر باندونغ، ودول عدم الانحياز، قبل أن يطغى عليها نوع من الانحياز ويفرط عقدها، ويدخل الحياد الإيجابي ذاته في متاهات الحرب الباردة واستقطاباتها. إننا نحتاج في هذا العصر المريع إلى جرعة أخلاق في السياسة، وإلى رفع مستوى الإحساس بالمسؤولية عن حقوق الإنسان الطبيعية وفطرته السليمة، وإلى قدر كبير من التضامن والتفاهم والتعاون، لتصبح هناك معايير حاكمة في الفعل السياسي والخيارات والاستراتيجيات وأساليب الأداء والوسائل المتبعة لتحقيق الأهداف والاستراتيجيات، لأن نمط التوحش السياسي قد طغى طغياناً مذهلاً، وهو ينذر بمزيد من الطغيان وانعدام المسؤولية والاستهتار بحياة البشر ومصالحهم وخصوصياتهم، وبالقوانين والمؤسسات الدولية وبكل ما هو خلقي وإنساني. ونحتاج إلى القيم والقوى التي تحافظ على مصالح متبادلة ومسؤوليات متبادلة واعتماد متبادل بين الدول والشعوب، ويكون من أهدافها إضعاف مد المقولة التي تسود في عالم السياسة وتقول بأنه لا يوجد، أو لا ينبغي أن توجد، أخلاق في السياسة؟! لأن هذا التوجه يؤسس للصراعات ويوري نارها، ويطلق العنان للاستعماريين والإمبرياليين الجدد، وللطغاة والمغامرين وغير الأخلاقيين، وللذين تغريهم شهوات التسلط والسلطة والنهب والعدوان والسلب، أن يفعلوا ما يريدون، وأن يقوم تعاونها وتضامنها على أسس وعوامل يتداخل فيها المادي والروحي، الجمعي والفردي، القومي والوطني من جهة، والبشري والإنساني من جهة أخرى.. كما نحتاج أيضاً إلى نوع من حضور القانون الدولي والدولي الإنساني، واحترامهما وتطويرهما ليصبحا صيغاً تشريعية حاكمة في كل دولة ومؤسسة دولية، من أجل تحقيق أبعاد ومسؤوليات إنسانية وحقوق على المستوى السياسي الداخلي في كل دولة وعلى المستوى العالمي، ويدخلا في الاعتبار عند رسم السياسات الخارجية ووضع الاستراتيجيات، لا سيما ونحن نشهد همجية سياسية ووحشية متنامية تتجاوزان كل ما هو قانوني وخلقي وإنساني في ممارسات بعض الدول الكبرى وحلفائها وأتباعها.. ونريد تضامناً وتعاوناً بوجه ذلك لكي يقوى الجانب الذي يرجح حقن الدماء، وتقريب مصالح الشعوب بالحوار، ويرفع درجة الوعي والالتزام بالقوانين وحقوق الإنسان والمجتمعات والدول إلى درجة الهيمنة على السياسات. ويمكن أن يكون هذا أحد أهم الأهداف المشتركة لمؤتمرنا هذا، الذي نأمل أن يكون مؤثراً وفاعلاً في هذا المجال. 2 إن الأمراض السياسية المستعصية تخلق مناخاً تنمو فيه أمراض أخرى، اجتماعية وثقافية واقتصادية..إلخ، قد تكون أكثر استعصاء على المعالجة، ومن شأن ذلك أن يضاعف الضعف ويخلق مناخاً لا يساعد على الحياة، بَلْهَ على التقدم في معارجها واستشعار السعادة فيها. ويبدو جلياً من خلال التجربة الطويلة التي مر بها العرب والشعوب الإفريقية في ظل الاستعمار الغربي والوجود الصهيوني، أن تلك الأمراض لا تُعالج بغير امتلاك قوة توازن من نوع ما بين قطب مريض وآخر تنعكس عليه نتائج الأمراض وأفعال المرضى وأوضاعُهم. وهذا الوضع المزمن يطرح أسئلة مقلقة قد تشير إلى طرق منقذة، وهي أسئلة يطرحها المعافى على المريض، وأخرى ينبغي أن يطرحها المريضُ على نفسه لكي يجد مخرجاً مما وُضع فيه على مدى قرون، ويسوِّغ لنفسه أن يبقى ضحية الغطرسة، وما لم يواجه به نفسه ومن ثم لم يجد منه مخرجاً. إن معاناتنا مع الاستعمار والنزوع العنصري المستحكم في أنفس وشرائح بشرية، وضعفنا وتفرقنا حيال ذلك، ودخولنا في صراعات إقليمية وداخلية مميتة، من صنعنا ومن صنع غيرنا، هي في النتيجة لمصلحة المستعمر وتؤسس لتهافتنا وتآكلنا، والمفترض فيها أن تدفعنا إلى التضامن والتعاون ورفع الصوت بتطلعات وأسئلة منها: ـ هل نستطيع أن نقيم حواراً بناء جاداً وعميقاً وشاملاً، سياسياً وثقافياً واجتماعياً، بين العرب والأفارقة، يُبنى على حقائق التاريخ والجغرافية، والتقارب والتفاعل الثقافيين، يصل ما انقطع من علاقات تاريخية وتفاعل ثقافي واجتماعي، ويتركز في دوائر ضيقة في البداية ثم تتسع دوائره ويتسع معها المشترك الذي يجمعنا وينمو بتحاورنا، ويشكل مناخاً وحاضنة للتفاهم والتعاون والتضامن وللتنمية والاستثمار، بين أطراف لها مصلحة قصوى في اللقاء والحوار والتعاون، ولها في لقائها وحوارها وتعاونها ـ بعيداً عن دوائر الإملاء والهيمنة والسيطرة والاستعمار الجديد، والاستغلال والنهب المستمرين ـ قوة وحرية وتحرير لقرارها وإرادتها، أو سعي باتجاه امتلاك القوة والحرية والتحرير، لا سيما على المستويات الحيوية: الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية، وفي مجالات الأمن المتبادل بأنواعه؟! ـ وهل نستطيع أن نقيم ذلك الحوار، في إطار رؤية المنافع المتبادلة مشخصة وملموسة بين دولنا وشعوبنا، بعيداً عن الصور النمطية المشوهة التي رسمها لنا الرب الاستعماري وما زال يرسمها، وعن عمليات المحو والإلحاق والتبعية والابتزاز واستغلال الآخرين، كما هي حالنا الآن مع الغرب الاستعماري والشركات والتكتلات الاقتصادية والمالية الجشعة التي يديرها أو يتحكَّم بها، ويحكُم العالم من خلالها، ومؤسسات دولية أخرى يسيطر عليها، منها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية..إلخ؟! إن مجرد البدء بخطوة على تلك الطريق سيجعلنا نكتشف الأفق الواسع لهذه العملية التضامنية الإنسانية المشروعة، في مجالات حياتية حيوية كثيرة ومتنوعة.. وبذلك نستيقظ من كابوس يجثم على صدورنا، ونلغي أكثر من مستغل عنصري جشع، في المجال الاقتصادي على الأقل، يراكم أرباحه على حسابنا، ويسيطر على مصالحنا وصلاتنا ويتحكم بها ويوجهها حيثما يريد، ويضع أموالنا تحت تصرفه، ويتاجر بنا وببضائعنا وموادنا الأولية وثرواتنا الطبيعية، ويمسك رقابنا من المَخانق، ولا يسمح لنا بالتنفس إلا بالقدر الذي يبقينا أحياء ضعفاء نحتاج إليه في كل شؤون الحياة، ونقوم بخدمته بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ويجعل بعضنا يقتل بعضاً من أجله عند الضرورة.. ويمنُّ علينا من بعد بأنه يمنحنا بعض نفايات ما نهبه منا لكي نبقى نلهث وراءه مستطيبين الذل والحاجة، لقمتنا مرة ومغمسة بالدم والعفن، وملقاة على قارعة الطريق، وتستفحل الأنيميا في دمنا، ويفتك بنا الجوع والفقر والمرض والتخلف.. فلماذا وإلى متى؟. في محيط البحر الأحمر، على سبيل المثال لا الحصر، تجمُّعٌ فريد، آسيوي إفريقي، عربي وغير عربي، مسلم وغير مسلم، غني بالموارد البشرية وبالثروات والمواد الأولية المتنوعة وبموارد الطاقة، ويتمتع بمواقع إستراتيجية عالية القيمة والأهمية: اقتصادياً وتجارياً، أمنياً وعسكرياً؛ ويجمع في حوض كبير ثقافاتٍ غنية ومتنوعةً وشعوباً ذات تاريخ وحضارة، وذات تأثير في التاريخ والحضارة، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، فلمَ لا يقوم بين أطراف هذا التجمع الكبير لقاء وحوار وتعاون وتفاهم بين دوله والمجموعات البشرية المتشاطئة فيه، على أرضية من الاحترام وتبادل المنافع وحماية الذات والهوية من أشكال التهديد والغزو والاستنزاف والتعبيد؟ ولمَ لا يقوم تعاون واتفاق للبحث عن المصالح والاستثمارات توفيراً لمناخ الاستقرار والتنمية، واستشرافاً للمستقبل، وامتلاك الحرية والاستقلال التامين، بعيداً عن سيطرة القوى التي تفترس أعماقنا هناك؟ ولماذا تسمح تلك الدول والشعوب للغرب الاستعماري ووكيله العنصري، رأس حربته الاستعمارية في المنطقة، “ الكيان الصهيوني“ الذي يثبت كل يوم أنه عدو السلام وسبب التوتر وفقدان الأمن والاستقرار في المنطقة، لماذا تسمح له بإحداث الوقيعة وإشعال نار الفتنة فيما بينها، وتتركه يتسلل من بين خلافاتها ومصالحها إلى مواقع تمكِّنه من السيطرة عليها والتحكم باقتصادها وأمنها وسياساتها، وتوجيه تلك السياسات؟! السعودية واليمن والأردن ومصر والسودان وإرتريا وجيبوتي والصومال وحتى إثيوبيا، دول متشاطئة يجمعها حوض البحر الأحمر الغني بكل معاني الغنى والموبوء بخلافات وصراعات ظاهرة وباطنة، وهو حوض يمكن أن يتحرر من الفتن والفقر والجوع والمرض وسوء التغذية، ومن الاستعمار المباشر وغير المباشر الذي يمسك رغيف الخبز في بعض تلك البلدان ويحرك جماعات هنا وأخرى هناك ليقسِّم ويفتِّت ويُضعف ويتحكم؟ لماذا لا تقيم دُوَلُه اعتماداً متبادلاً وثقة وتجارة رابحة فيما بينها، متحررة من السيطرة والتدخل؟.. ولماذا يكون لزاماً على بضائع الدول العربية والإفريقية وأموالها وحاجاتها أن تمر عبر الوسيط الغربي وأن تتبارك في مصارفه وعواصمه؟ هل لمجرد أن يأخذ العمولة وفائدة الشحن والأرباح الفاحشة، ويتحكم بالقرار عند الحاجة، ويفرق القلوب ليقدم نفسه “ بلسماً لها؟“.. ويا له من “ بلسم“ قتَّال، يوغل في الأعماق حتى لا يكاد يُرى أو يُشْعَرَ به، ويفتك بها هناك فتكاً ذريعاً، أدمنه الناس حتى كاد يصبح جزءاً من تكوين المنطقة والأنفس وتقاليد الدول وعادات الناس.؟! وما ينطبق على بلدان متشاطئة في حوض البحر الأحمر ينطبق على أخرى هناك مشتركة في حوض النيل، حيث يهدد بعضُها العطش، وتعيش أخرى في ما يشبه المجاعة، ويُراد لها ألا تتفاهم وتتفق وألا تتعاون، وأن تتناوش هناك وتتقاتل، وتشرف على الأسوأ من العلاقات والصلات في هذا المجال.. ما لم يتم تدارك ذلك بالحكمة وتحكيم العقل واستقراء التاريخ البعيد المفعم بالتعاون والتفاهم؟!. وهناك غير هذا وذاك مشكلات وصراعات وحروب، نتيجة أوضاع خاصة مضطربة وتدخل أجنبي في شؤونها الداخلية.. وما يجري في السودان والصومال أنموذج صارخ، وهناك أيضاً من المشكلات والأزمات ما قد يتفاقم ويؤدي إلى فتن داخلية وصراعات عربية عربية، وإفريقية عربية، وإفريقية ـ إفريقية، إذا ما قسم السودان، لا سمح الله، وتفاقمت أزمة تقاسم المياه في حوض النيل، وأزمات الصحراء واليمن والقرن الإفريقي.. إلخ. إننا لا نكاد نفيد من ذلك القرب والماضي التاريخي والجوار الجغرافي والتداخل السكاني والتفاعل الثقافي والحضاري.. شيئاً يذكر، وتبدو لنا نيويورك أقرب لكل منا من أية عاصمة إفريقية أو آسيوية.. على الرغم من إمكانية التواصل بيننا براً وبحراً وجواً في وقت أقصر، وأمن أكثر، وتوفير للمال والطاقة والجهد والوقت، الأمر الذي يعود على البشر في كل تلك البلدان بالخير والمنفعة؟.. فلمَ يقوم هذا الحجاب السميك بيننا ولمصلحة من، وإلى متى؟! ولكل منا مع الآخر بُعد ثقافي وحضاري وعقائدي وروحي مشترك، فضلاً عن إمكانية الدخول في حوض اقتصادي واسع واعد؟.. لمَ يكون الغرب هو وكيل الطرفين حتى في علاقاتهما بعضهما ببعض؟ أليس الغرب الاستعماري المستغِل، والصهيوني المتربص، هما وحدهما المستفيدان من تباعد القريبين، وتنافر المتجاورين، وتقاتل المستضعَفين، وغياب الحوار واللقاء والتعاون المباشر بين أطراف عربية وإفريقية، لو التقت في أطر إنسانية واجتماعية بناءة، لاغتنت وأغنت وحققت الكثير من الخير لشعوبها وللبشرية.. لثقافتها وللثقافة العالمية، لقيمها الروحية وللقيم الإنسانية كلها؟! ولا يحول الغرب وحده بيننا وبين أن نفعل هذا، بل إننا نسهِّل عليه ذلك أكثر مما يعمل هو له، فعلَّتنا القتَّالة في ذواتنا وفي عدم التفاتنا لأهمية أن يكتشف كل منا الآخر، وأن يقترب منه ويتعاون معه.. ليظهر لنا من بعد، كم يقوينا هذا ويحررنا ويساهم في التنمية والتقدم، ويجعل الأمن يستتب في منطقتنا ويعود علينا بالفوائد الجمة، ويجعل أبناءنا يستقرون في أوطانهم ويخدمونها بكرامة، ولا يعانون ويموتون في الصحارى والبحار ومتاهات الهجرة إلى بلدان يُستذلون فيها، وتستنفَد فيها طاقاتهم حتى الثمالة، ومن ثم يُرمون كالنفايات؟!! ومن عجب أن تغيَّب أو تغيب فكرة الالتفات نحو هذه العوالم العربية الإفريقية الغنية الواعدة، حتى من كثير من مثقفيها وسياسييها وأهلها، ولا يكون المدخل إلى تلك العوالم، حتى في داخل ذواتها، إلا من قبل المستعمِر والمستغِل والعنصري والمتغطرس!! من المؤكد أننا لسنا ضد الغرب عندما لا يكون ضد الآخرين، ومن المؤكد أنه لا غنى لنا عنه في بعض الأمور، ولا نريد أن نقيم بيننا وبينه الحواجز والكراهية والبغضاء، ومن المؤكد أننا نرحب بالتفاعل والتعامل معه ومع الآخرين، ونحرص على أن يحترم مصالحنا وخصوصياتنا وعقائدنا وهوياتنا القومية وقرارنا المستقل كما نفعل نحن ذلك حياله.. ومن المؤكد أننا لا نريد بدعوتنا إلى الالتفات نحو علاقة تعاون وتفاهم وتضامن عربية ـ إفريقية قوية وواعية، تهدف إلى رؤية ما تمتنع علينا رؤيته بشكل أو بآخر، وما يعمَّى علينا حتى لا نراه، ولا نرى المشترك الذي يجمعنا، والمصالح التي تعود علينا جميعاً بالفوائد، لا نريد أن نقصيه أو أن نقلل من حقيقة احتياجنا له، ومن قدرته على تقديم شيء حيوي وضروري ومستقبلي لنا وللحضارة الإنسانية، ولكننا نريد أن نرى ما حولنا جيداً، وأن نكتشف كم هو ـ أي الغرب ـ أناني ومستبد ومتغطرس وعدواني، وكم هو متغلغل في شراييننا إلى الحد الذي يمنع دمنا من أخذ حاجته الماسة من الأوكسجين، ويمنع حواسنا من التعامل مع الحياة والأشياء.. مع الأرض والطبيعة والناس من حولنا بتلقائية وسلاسة وسلامة وحرية وموضوعية. إن من حقنا أن نقول للغربي الذي استعمرنا قروناً، واستعبد فريقاً منا، وامتص دمنا وما زال يمطرنا بناره وسخطه وسياطه وغطرسته وألاعيبه ومؤامراته، ويحتل أرضاً لنا، ويطلب منا أن نقتتل بالإنابة عنه، تأميناً لمصالحه، وتكريساً لضعفنا، ودفاعاً عن احتلاله.. من حقنا أن نقول له: كفى فإننا بشر، وإن من حقنا نعيش، وأن نستمتع بلحظات استقرار وأمن ودفئ واطمئنان تحت شمسنا التي تسرقها من بين جفوننا وتقيم بيننا وبينها الحُجُب.. وأن نصرخ: "كفى تشويهاً وعدواناً وإرهاباً باسم الإرهاب، نعم كفى إرهاباً: فكرياً وإعلامياً وسياسياً واقتصادياً وعسكرياً، وكفانا رعباً وموتاً وذلاً ونهباً.. لقد شوهت أيها السيد الغربي المستعمِر المدمر حتى وجه الله في أبصارنا وبصائرنا، ولم تعوضنا عن القيم التي شوهتها والبنى التي هدمتها شيئاً يستحق الذكر، اللهم إلا إذا كان تخريب الذوق والثقافات والبنى القيمية والروحية والعلاقات الاجتماعية للأفراد والأسر والمجتمعات والشعوب، وتدمير التراث ونهبه، فضلاً عن نهب الثروات واستلاب الذات، وتخريب الاقتصاد.. شيئاً يستحق أن تُشكر عليه وتُعطى الحق في الاستمرار بالقيام به، بوصفه التقدم الذي تنادي به، والحضارة التي ترى أن نرتقي إليها، والديمقراطية التي تحرص على فرضها وعلى أن نمارسها وفق هواك. إننا أيها السيد موجودون ونريد أن نرى ونفكر ونتواصل ونتعاون ونتذوق طعم الحياة باطمئنان وكما يحلو لنا. من الطبيعي أن السيد لا يسمح، ولكن هل من الطبيعي أن نبقى كما يريد أن نكون؟! إن علينا أن نعمل ونقوى ونرفع صوتنا لكي نحقق بعض ما نريد، ونجعله يدرك أن العالم لنا وله، وأننا شركاء له في الشرط الإنساني والمصير الإنساني، وأنه من حقنا أن نصبح شركاء متساوين في عالم أوسع بكثير من نظرته الضيقة، وسلطته المطلقة، وأنانيته المفرطة، "ووحدانيته " المتفرّدة التي تغرق في صيغ نادرة من الأنانية والتورم البشري الخبيث. 3 إن الحديث في الشأن الثقافي هنا ينصرف إلى الثقافة بمفهومها الشامل، كما حدده مؤتمر اليونيسكو لوزراء الثقافة في المكسيك عام 1984[1] حيث تتضمن الموروث المتناقَل شفهياً والمكتوب مما تحمله اللغة نثراً وشعراً من إنتاج فكري وأدبي وإبداع فني، ومعطيات العقيدة والحياة الروحية، والموروثات الشعبية، وما تركته أجيال الأمم من آثار وتراث وإنجازات في حقول معرفية وعلمية واسعة، والمستقر عمرانياً بوصفه أوابد تاريخية وأثرية، والراسخ عبر العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية مما يساهم في تكوين الهوية بصفة عامة والشخصية الثقافية بصفة خاصة لأية أمة من الأمم، ويدخل في ذلك الأدب والفكر والفنون: "المسرح والسينما والموسيقى والرسم والنحت والفنون الشعبية والأبرا والباليه..إلخ" والإعلام والمعلوماتية والتربية والتعليم بمراحله، وكل ما يبني الإنسان عقلياً وروحياً ووجدانياً ومعرفياً ووطنياً. وللثقافة أهميتها الخاصة ودورها الرئيس في الحوار الحضاري ومواجهات تحديات العصر، والتبادل الثقافي المؤثر بين الشعوب. وأرى أن المواجهات الرئيسة الحاسمة في هذا العصر، هي مواجهات معرفية، علمية، أي ثقافية بالدرجة الأولى، وحسم تلك الصراعات لمصلحة طرف من أطرافها يكون للمتفوق في مجالاتها ولمن يستثمر فيها أكثر، حيث يقترب من امتلاك القوة وإمكانيات التفوق. والمثقفون الذين يمتد قطاعهم الواسع بين المعلم والعالم، هم جنود الخنادق الأولى في مواجهات العصر التي منها الدفاع عن الوطن والمصالح والهوية[2] والقيم الاجتماعية والروحية والإنسانية والأخلاقية والقومية، وتنميتها.. في مواجهة النزوع الاستعماري وغطرسة القوة والرغبة في الهيمنة والابتزاز والعولمة المتوحشة، وما أسميه قيم السوق وأخلاق السوق المرتبطة باقتصاد السوق، وما يشكله ذلك ويساهم في إعادة تكوينه من معطيات سياسية واجتماعية وثقافية، تؤثر فيها وتنشرها وتساهم في صنعها وتتبناها دولٌ ذات تاريخ عدواني، وتكتلات اقتصادية عابرة للقارات، وشركات ما فوق قومية، تسعى للكسب والهيمنة على الأسواق وأموال والأفراد والشعوب أولاً وأخيراً، وتقف وراءها وتسيطر عليها رؤوس أموال وإمبريالية متجددة مدججة بالقوة، تستبيح كل شيء وتزيف كل شيء ولا همّ لها سوى الربح وتأمين مصالحها ونشر نفوذها وهيمنتها وسيطرتها بكل الوسائل والأساليب والسبل. وهي تهدد قيم الآخرين ومصالحهم، وسيادة الدول وهويات الشعوب ومقومات شخصيتها الثقافية وخصوصياتها القومية والوطنية والاجتماعية، وعقائدها. وبما إن الثقافة قادرة على القيام بدور هام من أجل السلام والتقدم والازدهار والأمن والتعاون والتنمية، ومن أجل مستقبل العالم ومستقبل الإنسان فيه، فهي مطالبة باتخاذ مواقف واضحة وجريئة، بناءة ومسؤولة، من كل ما يجري في العالم من تجاوزات على الحقوق والحريات والقوانين والبيئة ومقومات الوجود البشري السليم الذي ينبغي أن ينمو في تربة ثقافية سليمة وبيئة سياسية إنسانية نظيفة.. فإن عليها أن تقوم بدور كبير ومؤثر على الصعيد السياسي، مع الفعاليات الإنسانية الأخرى، وأن تكون مع كل توجه يقيم السلام العادل والدائم في عالمنا، ويحافظ على شروط عيش أفضل، بعيداً عن التهديد وكوابيس الرعب التي تجبر البشر على العيش في ظلهما، وضد سياسات فاسدة، طغيانية وغير ديمقراطية بامتياز، سياسات بلا قيم ولا مبادئ ولا معايير خلقية، تستخدم القوة بتعسف ومن دون رادع من أي نوع، وتشعل بؤر التوتر وتغذيها، وتثير النزاعات والصراعات، وتسوِّغ العدوان وتحميه.. ذلك لأن الثقافة بالمعنى السامي، ومن المنظور الإنساني العام والرؤية المعرفية الرفيعة: "ساحة عمل عالمية ذات رسالة إنسانية مبدئية، سامية، وفعالية مؤثرة، تحمي الإنسان وتؤسس لسياسات تقيم السلام والعدل والأمن من جوع وخوف.". إننا في الشق الآسيوي من الوطن العربي " الذي يُدرج تعسفاً تحت مسمى الشرق الأوسط"، نتعرض لأشكال من التخريب الثقافي، وإشاعة التفسخ والهزال الثقافيين في تربتنا الثقافية وبيئتنا الاجتماعية والحضارية، ولتخريب القيم والمقومات السلوكية والمعايير السليمة، من قبل إمبريالية ثقافية قال عنها وزير ثقافة فرنسي " إن هذا شكل من أشكال الإمبريالية المالية والفكرية لا يحتل الأرض ، ولكن يصادر الضمائر ومناهج التفكير واختلاف أنماط العيش.". كما نتعرض لتسميم مجالات النمو والتنمية الأمر الذي يعوقها أو يشلها.. ولحملات تشويه تستهدف الرموز الدينية والقومية والوطنية، والعقيدة ذاتها، ونضال الشعب ومقاومته للاحتلال والغزو والاضطهاد.. ونعاني من مشاريع وخطط وبرامج مؤسسات ومجموعات عمل وأجهزة وأدوات بشرية تمولها الإمبريالية والصهيونية، وتوظفها للقيام بذلك النوع من التسميم والتخريب والتشويه.. وهي تهدف إلى/ وتعمل على: إفساد لغتنا العربية، وإماتة ثقافتنا وقيمنا وهويتنا وعلاقاتنا.. هذا إضافة إلى ما تصدّره وتشيعه من انحلال وبؤس روحي وتوجهات فكرية مشبوهة، وعلاقات اجتماعية مريضة.. تؤدي إلى تخريب الشخصية الثقافية والبنى الأسرية والاجتماعية السليمة والسلوك الفردي الصحيح، وإلى إشاعة الانحلال وإفساد الأجيال، والقضاء على تماسك المجتمع والشخصية الثقافية للأمة.. وهي تقوم بهذا لتصل في النتيجة إلى إعادة تشكيل التفكير والذاكرة والضمير، من خلال التشكيك وإحداث الفراغ والتركيز على معطيات معينة وسلوك يصبح متقبِّلاً لمشاريعها ومسلماً بها ومستسلماً لها.. كما تحاول أن تزيف مفهوم السلام، حيث تقدم الاستسلام للعدو الصهيوني وشروطه "واقعية وعقلانية وانفتاحاً محموداً، وسلاماً عصرياً مطلوباً، يرتع فيه المحتل في تربة الوطن وتربة الثقافة كما يشاء، تحت ضغط القوة وتفوق السلاح والمناصرة العمياء للظلم القهر والقتل.. في ظل " أنظمة لا تهتم اهتماماً كافياً وجاداً وعميقاً ومدروساً بالقضية الثقافية ـ أي بتنمية الثقافة وثقافة التنمية ـ ودورها وأبعادها البنيوية والتنموية والدفاعية، ولا بمواجهة أشكال الغزو والتخريب الثقافيين، بسياسات وإمكانيات وأساليب وأدوات "قادرة ومؤثرة"..إن هذا التسلل عبر الثقافة العربية لتخريب المواطن العربي والقيم الاجتماعية والوطنية والقومية والإنسانية السليمة، ومنها الدفاع عن النفس ومقاومة المحتل والتعلق بالحرية والاستقلال، هو عمل هدام إنسانياً ومعرفياً وحضارياً، وهو مخالف لرسالة الثقافة الإنسانية ولمبدأ غنى الثقافات في تنوعها وتفاعلها. ونعتقد أن شعوباً وثقافات ودولاً إفريقية كثيرة تتعرض لما نتعرض نحن له في الوطن العربي، وتعاني مما نعاني منه.. وربما سيبقى ذلك محمياً بكل أنواع الحماية، الخارجية والداخلية، ومستعصياً على الإضعاف والاجتثاث، وينمو بقوة ويفتك بشراسة، في ظل أمراض منها الطائفية والمذهبية والحزبية الضيقة، وعمل ميليشيات ثقافية وإعلامية وسياسية عمياء يقودها التعصب والجهل وضيق الأفق.. إذا لم نبادر إلى مواجهته بوعي معرفي واقتدار وتضامن متينٍ خيِّرٍ، تسعى أطرافه إلى تبيُّن الحقيقة ونصرتها، ومحاربة الزيف والافتراء والتشويه، وتقديم الصورة الصحيحة للشعوب والعقائد والثقافات، وتمارس المقاومة المشروعة، والنضال ضد الاحتلال والقهر. ومن مهام المثقف والثقافة في مثل هذا الوضع، تكوين الوعي القومي والوطني والإنساني، وتأكيد دوره وأهميته في الدفاع عن الهوية القومية ومقوماتها وعن الإنسانية وقيمها، وتعزيز الشعور بالانتماء لأمة وحضارة ومجتمع وبيئة ثقافية ووطن آمن ومستقر، ومواجهة من يبشرون بصراع حضارات وتطرف وعنصرية وتعصب مقيت وإرهاب مدان، مواجهتهم بأفكار وتوجهات وبرامج عمل ورؤى حضارية عميقة وقوية ومسؤولة، تعتمد الحوار الثقافي الخلاق، وتتمتع بأفق حضاري واسع، وتأخذ بالاعتماد الإنساني المتبادل.. ولا يتحقق ذلك إلا بالمعرفة وتنمية الوعي بالذات وبالآخر الشريك في الشرط الإنساني والمصير الإنساني والمستوى الحضاري.. وهذا دور رئيس ومؤسس للثقافة التي نرى أن يختار الجانبان في المؤتمر العربي ـ الإفريقي التركيز عليها وتفعيل دورها والاستثمار فيها. وهذا التناغم في سياق توجهات الجانبين، العربي والإفريقي، يحثنا على الاستفادة القصوى من الزمن والإمكانيات والطاقات الخلاقة، لإحداث نقلة نوعية في العلاقات، ونهضة في مجالات التنمية الثقافية وثقافة التنمية بالمفهوم الشامل للثقافة. وكل تنمية في أي مجال تبدأ بالإنسان وبالوعي المعرفي لديه، ولا تكون تنمية حقيقية من دون تنمية ثقافية، والتنمية الثقافية أساس من أسس التنمية المستديمة، وعامل مؤثر في انفتاح أفقها واتساعه والتجديد في مجالاتها كافة، لأن الاستثمار فيها استثمار في المستقبل الذي يعني كل أمة وكل جيل ويساهم في تكوينه بكل تأكيد. والتنمية تحتاج إلى ثقافتها، ثقافة التنمية، التي لا مدخل إليها إلا من خلال الثقافة التخصصية وتعميقها في كل مجال من مجالاتها، وهي تحتاج أيضاً إلى الثقافة العامة بكل تأكيد، تلك التي تنعكس في الأداء والانتماء والسلوك والإنتاج والمحافظة على المنجزات وتنميتها بقدر كبير من الاهتمام والمسؤولية. ونجاح التنمية الاقتصادية والاجتماعية وديمومتهما وتطورهما يرتبط عضوياً بالتنمية البشرية في كل مجال من مجالات العمل والإنتاج، وتلك التنمية البشرية تحتاج إلى تنمية ثقافية شاملة، من حيث توسيع دائرة المعرفة وتعميقها والاستثمار فيها، إلى الاهتمام بالتدريب وتطوير الخبرات، وبثقافة التنمية التي تقوم أصلاً على الثقافة التخصصية المهنية وعلى التقنية العالية والمعلوماتية المتطورة، وإلى المعارف العميقة في كل مجال من المجالات التنموية، وإلى وعي بمعاني الالتزام والمواطَنة وأبعادهما ومسؤولياتهما.. هذا على الصعيد الوطني والقومي، أما على الصعيد البشري والإنساني المشترك فتحتاج إلى تنمية الوعي بالشرط الإنساني والمصير الإنساني لبني البشر ودولهم وشعوبهم، الأمر الذي يستدعي الاستثمار في التنمية المشتركة بوصفه حقاً وواجباً، وإلى نبذ الأنانية، ورؤية الآخر في الذات والذات في الآخر، و تنمية الوعي المعرفي بكل من الذات والآخر، وبالاحتياجات والضرورات الحيوية للحياة والبقاء والإبداع، وبالمسالك والأساليب التي يجدر بالإنسان الحضاري أن يتبعها لتحقيق أهدافه وتأمين احتياجاته والمحافظة على بيئة صحية سليمة وأمن من جوع وخوف.. وهي في المحصلة تنمية ازدهار بشري علمي وعملي، نظري وتطبيقي، تقني ومعلوماتي.. بمستوى حضاري مشترك، يكون رصيداً وإرثاً للإنسانية كلها، وتساهم فيه كل أمة بما تستطيع في كل حقل من حقول الإنتاج والإنجاز والإبداع. ويأتي التعاون العربي الإفريقي ليجسد هذا التوجه الذي يخدم الطرفين المشاركين في هذا المؤتمر التضامني، ويخدم الثقافة الإنسانية من خلال حوار حضارات عريقة عظيمة، لها دور وتاريخ وإنجازات ومكانة في الماضي والحاضر والمستقبل. وانطلاقاً من اعتقادي بضرورة وجود علاقة سليمة بين الثقافي والسياسي، وبدور مؤثر للثقافي في السياسي، وبأهمية السياسة في إنعاش الثقافة وتنمية الوعي، وبوجود مسؤولية إنسانية وأخلاقية للثقافة والسياسة، وبقدرة كل منهما على القيام بدور كبير في تكوين الإنسان، وإشادة العمران، وبناء الأمم، وإقامة العلاقات الصحية بين الشعوب والدول، ومد جسور التواصل، وتمتين علاقات التعاون وإشاعة التفاهم والثقة والصداقة فيما بينها.. أؤكد على أنه يجب أن تحافظ الشعوب على قيمها واستقلالها وتمايزها الثقافي ومبدئية مواقفها، وأن تثبت قدرتها على أن يقدم كل منها صورة الشعب الحامل لهوية وخصوصية وقيم حضارية، والمنغرس في تربة أرض وقيم، والمكون لبيئة ثقافية إنسانية تتكامل مع البيئات الثقافية الأخرى في العالم من خلال المثاقفة.. لتتمكن الثقافات من الإسهام الفعال في تكوين العقول والضمائر والأجيال من جهة، والمشاركة الفاعلة في حل المشكلات والتخفيف من حدة الأزمات والصراعات من جهة أخرى، وأن تؤسس ذلك على أسس احترام العقل والمنطق والحق والمصلحة، واحترام الآخرين الشركاء في الحياة والمصير، أفراداً وشعوباً، وحماية التنوّع الثقافي والتعدد الإثني والاعتراف بأهميتهما.. لتتمكن من تكثيف الوعي المحرِّر، وامتلاك الحرية التي هي حق لكل إنسان، وواجب ومسؤولية أيضاً تقع على عاتق كل إنسان.. وذلك لكي يتمكن البشر من صنع سلام عادل ودائم، واستقرار للأنفس والأجيال، واستشراف مستقبل واعد، والسعي إلى عالم مزدهر، أو يبشر بالازدهار ويفتح أبواب الأمل أمام البشر كافة، بدلاً من أبواب البطالة والشقاء والبؤس والجرمان واليأس والرعب، والإرهاب بأشكاله، إرهاب الأباطرة وإرهاب الصعاليك واللصوص، والقتل والدمار بأشكالهما المختلفة. وبناء على كل ما سبقت الإشارة إليه، أرى الاهتمام بالآتي، بوصفه سبلاً لتعزيز التفاهم والتعاون والتضامن والتواصل: 1 ـ إقامة العلاقات الثقافية بين الشعوب على أسس معرفية دقيقة، والعمل على التعريف الموضوعي بالدول والشعوب، وبالفكر والأدب والإنتاج المعرفي والإبداعي الذي تحمله اللغة العربية واللغات الإفريقية، وفق منهج موضوعي، وأسس ومعايير ومقومات تقويم وتعريف، سليمة ومسؤولية، علمية وإنسانية ومبدئية. 2 ـ عقد اللقاءات الثقافية وفق برامج يتفق عليها، وتبادل الآراء حول القضايا والمواضيع التي تهم الطرفين، العربي والإفريقي، والتركيز على أهمية التبادل الثقافي بالمعنى الواسع والشامل للثقافة، بعيداً عن تقلب الأوضاع السياسية ومتغيراتها، وعن الخلافات السياسية التي يمكن أن تنشأ وتعطل التعاون الثقافي، بهدف إدامة التواصل والتفاعل بين المفكرين والمبدعين.. لتكون الثقافة جسر اتصال وتواصل، وأحد أهم العوامل التي تزيل الجهل وتشيع الثقة، وتعمق التعارف والتقارب، وتوسع دائرة المشترك بالحوار والتفاعل الخلاق.. ولا بد من أن يبادر المثقفون من الطرفين للقيام بهذه المهمة، وأن تقوم الثقافة بهذا الدور، ويتحقق لها هامش كبير من الحرية والحركة، يمكنها من العمل والتفاعل بحرية، بعيداً عن التسخير والتوظيف السياسيين لأغراض منافية لجوهر رسالتها المعرفية والأخلاقية والإنسانية.. 3 ـ الاهتمام بالترجمة المتبادلة، لأن الترجمة أحد أهم مفاتيح التعارف والتفاهم، والنهضة، وفتح الأفق المعرفي المستقبلي، ولا يوجد تبادل ثقافي وتعاون علمي من دون حركة ترجمة ناشطة ومتمكنة.. والنهوض بهذه الحركة مسؤولة القطاعين الرسمي والشعبي ومسؤولية المؤسسات التي تضع نفسها في خدمة هذه الأهداف الحضارية الهامة. ويحتاج النهوض بها إلى وضع سياسة عربية ـ إفريقية مشتركة، تتضمن استراتيجية للترجمة، وتلك مسؤولية الطرفين اللذين يحتاجان إلى الترجمة حاجة ماسة. ويمكن أن يبادر كل معني وقادر، في هذا الملتقى وخارج أطره، إلى الدعوة لوضع هذه السياسة ورسم تلك الاستراتيجية، وحث الجهات الرسمية والخاصة على إنضاج مشروع عربي ـ إفريقي، رسمي وشعبي، متكامل في هذا المجال، والعمل على تكوين الأطر البشرية القادرة على ذلك، وتنسيق الجهود فيما بين المعنيين بالأمر. وأن تقوم علاقات وتُعقَد اتفاقيات بين الجهات الرسمية والشعبية العربية والإفريقية، تشمل "المؤسسات والمؤلفين والناشرين والمترجمين المعنيين " ودور النشر الكبيرة، هدفها تحسين الأداء في هذا المجال والسعي لإيجاد مشاريع ترجمة عملاقة بالتعاون والتبادل. إن تواصلنا وحوارنا وتفاهمنا، وإمكانيات استمرار حوارنا، كل ذلك يحتاج إلى ترجمة متميزة ومترجمين أكفَاء قادرين على الأداء الجيد بدقة وأمانة وتمكن ومهنية عالية، كل في مجال اختصاصه. ولا يوجد حوار من أي نوع من دون ترجمة ومترجمين، ولا تتحقق نهضة لأمة إلا برفد معارفها وعلومها بترجمات تقيم حواراً بين العقول وتحفز على التنافس والإبداع. ولذا فإن العناية بهذا القطاع ينبغي أن تحظى بأولوية وأهمية خاصتين، وأن يتم عمل حثيث وبرمَجة متميزة ورصد مخصصات لتمكين العناصر القادرة على القيام بهذه المهمة من العمل في مناخ ملائم. وينبغي في الوقت ذاته وضع خطط وبرامج لتلافي النقص الحاصل في مجالات اختصاص وفي قدرات مترجمين، 4 ـ تأسيس منتدى التعاون والتضامن العربي ـ الإفريقي، يساهم في التواصل وتقديم المعرفة معرفة دقيقة بالمجتمعات ولسياسيات والممارسات والأزمات التي تستدعي عملاً عربياً وإفريقياً مشتركاً. 5 ـ تفعيل دور الطاقات الشعبية وحشد الموارد الفكرية والروحية والمادية لنصرة القضايا العادلة في إفريقية والوطن العربي، والتعاون والتنسيق، بهدف التصدي لمشكلات ومعوقات تواجه النهضة التقدم والتنمية، والعمل على تطوير وسائل التواصل وآلياته بين الأمة العربية والأمم في القارة الأفريقية. 6 ـ التعريف المتبادل بالأوضاع السياسية، والأحزاب وتوجهاتها، ومؤسسات المجتمع المدني وأدوارها، وبأشكال التدخل الخارجي في الشؤون العربية والإفريقية، على أي صعيد كان، لتعزيز المعرفة وتوجيه العمل التضامني. 7 ـ تشكيل مجموعة أزمات، عربية إفريقية، شعبية، تعنى بمناقشة كل ما يتعلق بأية أزمة تنشأ، وتبادر إلى طرح أفكار ورؤى واقتراحات للحل، وتتحرك في هذا الإطار، وتتكامل مع الأفكار المطروحة والجهود المبذولة لوضع حد للأزمة، وإيجاد حلول لها. 8 ـ إقامة حلقات الحوار في دوائر ضيقة مغلقة " ورش عمل" بين عناصر عربية وإفريقية، مختصة في الشؤون السياسية والثقافية والاقتصادية، لتوسيع دائرة المشترك بين الطرفين، وتعزيز الثقة والتعاون والتضامن، وإنضاج رؤى ومشاريع متقاربة قابلة للتنفيذ، ثم التوسع في ذلك المجال ليشمل لقاءات في دوائر أوسع فأوسع. 9 ـ الاستفادة من الحركة الطلابية، لما لها من قدرة على التواصل والتفاعل والتحرك والتأثير من جهة، وبوصفها المستقبل البشري الذي سيتابع العلاقات والتفاهم والتواصل بين الطرفين العربي والإفريقي من جهة أخرى. 10 ـ الاستثمار في الموارد البشرية، بتعاون رأس المال والفكر والطاقة البشرية القوية والخلاقة وتوفير التقنيات المتقدمة.. وذلك بإقامة مشاريع مشتركة برأس مال مشترك. 11 ـ تأسيس صندوق عربي إفريقي للاستثمار الاقتصادي والتعاون الثقافي. 12 ـ إحداث موقع الكتروني باسم " التواصل والتضامن" تضع فيه كل جهة عربية وإفريقية معلومات مؤسسات ومنظمات وأحزاب، وعن قضايا وأزمات ومواقف وممارسات وتطلعات تهم كل من يسعى إلى الحصول على معرفة دقيقة وموثقة حول الجغرافية السياسية والممارسات والقضايا لدى كل من الجانبين. 13 ـ تشكيل مجلس حكماء العرب والأفارقة، لمعالجة قضايا وخلافات وأزمات سياسية، قائمة أو قد تنشأ، بين أية أطراف عربية وإفريقية. 14 ـ تأكيد أهمية استعادة اللقاءات العربية الإفريقية على مستوى القمة، ودعوة جامعة الدول العربية ولا سيما مؤسسة القمة العربية والاتحاد الإفريقي إلى مواصلة التعاون في كل ما يهم الطرفين، ويعزز تعاونهما وتضامنها في وجه التحديات وأشكال التهديد والعدوان والحصار والتدخل الخارجي في شؤون المنطقة التي تجمعهما، وتنسيق المواقف في المؤتمرات والمنظمات الدولية على الصعيدين الرسمي والشعبي. 15 ـ الدعوة إلى استعادة حيوية المواقف للتجمعات الدولية التي قامت بدور تاريخي مؤثر في حركة التحرر وتقرير المصير في القرن العشرين، وفي مواجهة الاستعمار والنزوع العدواني والعنصري مثل: " دول عدم الانحياز، التجمع العربي ـ الإفريقي، مجموعة دول أميركا اللاتينية، دول المؤتمر الإسلامي..إلخ. والله ولي التوفيق الخرطوم في 28/11/2010 علي عقلة عرسان
[1] ـ جاء في التعريف المشار إليه: "الثقافة بمعناها الأوسع: " مجموع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية، التي تميز مجتمعاً بعينه أو فئة اجتماعية بعينها، وأنها تشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة والإنتاج الاقتصادي، كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات.". كما جاء في المادة الأولى من إعلان مبادئ التعاون الدولي الآتي: 1- لكل ثقافة كرامة وقيمة يجب احترامهما والمحافظة عليهما. 2- من حق كل شعب ومن واجبه أن ينمي ثقافته. 3- تشكل جميع الثقافات، بما فيها من تنوع خصب، وبما بينها من تباين وتأثير متبادل، جزءاً من التراث الذي يشترك في ملكيته البشر جميعاً.
[2] ـ الهوية تمايز ثقافي واجتماعي، ومقومات الهوية ثقافياً، أو مقومات الشخصية الثقافية لأمة من الأمم، هي بالدرجة الأولى: 1 ـ اللغة بما حملت من خصائص بوصفها حاملاً للمعرفة ولأهم أدواتها، وبما يتوافر فيها من معطى معرفي وخلقي وسلوكي تأتى من تراكم عناصر وخصوصيات جزئية وتفصيلية متنوعة وضخمة تكثفت عبر الزمن، ولا سيما في مراحل التكوّن الأولى المديدة للأمم والثقافات والحضارات التي كان فيها التواصل والتفاعل بين الشعوب محدودا،ً نظراً لتدني وسائل الاتصال وسبل التواصل والتفاعل. وكذلك بما حملته اللغة أيضاً من رموز ودِلالات، بوصفها أداة تفكير وتعبير وتواصل، وموطن ذاكرة حية من جهة، ومستودعاً حيوياً للمعرفة والأصالة والذوق والخبرة من جهة أخرى. 2 ـ العقيدة /الدين/ بما تكرسه من منظومات قيمٍ، ومعايير حكْمٍ، ومرجعيات احتكام، وأحكامٍ، وحِكَم؛ وبما تقدمه من تفسير ورؤية للعلاقة بين الخالق والمخلوق من جهة، وبين المخلوق والمخلوق والكائنات الأخرى والبيئة والطبيعة والكون من جهةٍ أخرى، وما ترمي إلى تحقيقه من علاقات وصلات ومعايير، وما ترسِّخه في النفس وفي واقع الحياة من معايير ومقومات وقواعد وأصول تستند إليها أسس السلوك والعمل والتعامل بين الناس من جهة أخرى. 3 ـ التراث المكتوب شعراً ونثراً، أدباً وفكراً وتاريخاً وعلماً نظرياً أو تطبيقاً للعلم النظري، في كل مجالات المعرفة والإبداع والأداء بالكلمة، والموروث الشعبي المتناقل بكل أشكال التناقل وفي مجالات تعبيره كافة، من شتى الأنواع والأجناس، والموروث التاريخي الحضاري المعماري والفني بأنواعه مما حفظته يد الزمن أو مما دُمِّر أو غيب أو سرق وذكرته المراجع وأشارت إليه الدراسات والأبحاث واختزنته الذاكرة جزئياً. مع الإشارة إلى أن التعامل مع هذا التراث بعقل نقدي واستلهامه ومناقشة تفاصيله والأخذ به أو الاعتراض عليه كلاً أو جزءاً هو من حق العقل ومتعاطي النقد ولكن ذلك لا يخرجه أبداً من دائرة مقومات شخصية الأمة ومنجزات تفكيرها ومنطق تعاملها، وسواء أرفض شيء من ذلك أو قبل أو رُفع أو خُفض فهو من مكونات الذات القومية ما لم يكن مدسوساً عليها أو هامشياً بشكل واضح في تاريخها وتداولها. على أن يكون جلياً أنني لا أضع القرآن الكريم والصحيح من الحديث النبوي الشريف بحكم التراث فذاك كتاب الاعتقاد المقدس ويتم الأخذ به مع الاجتهاد في الفهم ويجري التعامل معه والنظر إليه على هذا الأساس، أما ما استنبت أو أنشئ أو أُلصِق على غصونه وفروعه، فهو موضع اجتهاد ونقد وأخذ ورد، ولا تشمله قداسة نص القرآن وكلية الاعتقاد بأحكامه، وصدقيّة الحديث الشريف والعمل به، وبما ثبت في صحيح السنة المشرفة. 4 ـ العادات والتقاليد والأعراف السائدة بين الناس والتي تحكم السلوك أو تشف عنه في مناسبات الفرح والحزن والموت والولادة والأعياد الدينية والاجتماعية والوطنية والقومية، وفي حالات الاختلاف والحرب والصلح، وكذلك السمات الخاصة والمشتركة التي تتكوَّن من جرَّاء تفاعل عوامل ومكوِّنات بين نفس بشرية لا تنفصل عن الجماعة التي تعيش بينها وطبيعة وبيئة اجتماعية ومعيشية عامة، خلال قرون عديدة؛ وتقدم مخزوناً تاريخياً ورصيداً ضخماً يتركز في الذاكرة الفردية والجمعية، كما تقدّم خلاصة توحّدٍ بشريٍ لفئات من الناس عبر الزمن مع عيش مشترك يرسم مصيراً مشتركاً، ضمن معطيات مادية ومعنوية تُنتج خصوصيات ومميزات وملامح وأساليب معينة في أساليب العيش والتعامل والتعبير والتدبير والتوصيل. 5 ـ أساليب العيش وطرز اللباس وطرقه وألوان المأكل والمشرب وطرق تقديمها وتناولها وما يشكل أصولها ويسبب متعها وألوان اللعب واللهو وطرائق التعبير ومتع الفُرْجة وأشكالها، وما يترافق مع ذلك وينجم عنه ويمليه من آداب وسلوك ومفاهيم ومصطلحات ومزاج عام: روحي ونفسي، وكذلك ألوان الاحتفال وأشكاله والمتع والمشاعر النابعة منه أو المتصلة به، والموسيقى والفنون والآداب الاجتماعية ومدلولاتها الشعبية العميقة. 6 ـ وجود أرض، هي وطن ذو حدود وسيادة وكرامة، فيه شروط مواطنة لأبنائه، بالمعنى الدقيق والتام للكلمة، واحترام للإنسان والحريات، وحقوق وقوانين ومؤسسات وقوام دولة./ انظر كتاب "القدس وحق العودة" ـ تأليف : علي عقلة عرسان. ومن حق كل شعب أن يتمسك بهويته، ويعتز بها، ويدافع عنها.. وفي وجود شعوب وأمم وقوميات تعدد محمود يغني الثقافة والحضارة الإنسانيتين.. شرط ألا يكون مدخلاً بالعنصرية البغيضة، ولتمييز على أساس الدين والعرق واللون والجنس، والتفوق بامتلاك القوة. [2] ـ وفي معرض تأكيد الانتماء الروحي الثقافي الإنساني، واستبعاد الانتماء القائم على العرق والدم وما قد ينشأ عنهما من عنصرية بغيضة، جاء في الحديث الشريف: " أيها الناس إن الرب واحد والأب واحد. ليست العربية من أحدكم بأب ولا أم، فمن تكلم العربية فهو عربي"
|
|
| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث | |