| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

ويأتيك بالأخبار من لم تزوِّد

قل هي الكارثة تدق الأبواب باباً بعد باب ويستجيب لها من لا يرى أبعد من أنفه من يحفر قبره بظلفه، والكارثة فصول ومراحل وأبواب، منها ما يرى بالعين المجردة ومنها ما يحتاج إلى عيني زرقاء اليمامة.. وهي عند بعض الناظرين إليها مطهر تدخله الأوطان والشعوب وتتقحَّمه الأنفس الأرواح لتطهُر وتبرى وتخرج منه وقد تخلصت من العفن والدرن والإثم والفساد والظلم والاستبداد لتعود أصلح للحياة وأقدر على التجدد ومواجهة متطلبات العصر ومقتضيات الوقت.. ولكنها تبقى الدم ينزف، والدمار يجتاح، والألم يعتصر القلوب، والموت يتخطف من يتخطفهم من الناس في الدروب، وتنتج التشرد والتآكل والعذاب والضعف والضلال البعيد.. ألا وهي الفتنة التي ترفع رأسها هنا وهناك، وقودها الناس والعمران والأوطان، وقد تحاشيناها ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.. ولكن حين يقف وراءها البعيد والقريب فلن تجد لها دافعاً.. والفتنة فتَّاكة مكلفة وكارثية، تزرع من الحقد والبؤس والذل أكثر مما تجتث.. وتبيت في النفوس ما يشغلها ويوجهها لعقود وقرون.

ويتساءل المرء، وهو يقف على حافة الهاوية، حافة الكارثة: ما جدوى النُّذر حين تنفلت الغرائز من عقالها ويصبح القتل لغة حوار، والتآمر وسيلة تغيير، والدم مخاضة كل فريق من الفرقاء إلى شاطئ " السلامة" إذا كان ثمة أصلاً في ظلها من سلامة.!؟ وكل أولئك الفرقاء في النتيجة يتداعون على الوطن وليس من أجل إنقاذه وإعلاء شأنه وشأن مقوماته وقيمه في نهاية المطاف.. ففي مثل تلك الأحوال التي يفاقمها ما يكتنفها ويحيط بها ويؤججها من أقوال وأفعال وتواطؤ وما يحكم بعض أطرافها المباشرين من قصر نظر.. تغيَّب العقول وتزدري الحكمة وتلغي كل رأي قد يثمر رأياً أفضل مما يؤدي إلى التبصر والتدبر والتصرف المسؤول الذي يؤدي إلى الخروج من أنفاق الأزمات الحادة، ومن الظلمات إلى النور.. إنهم يحتكمون للقوة وليس للمنطق والمصلحة العليا للوطن الذي يحتاج لكل بنيه ولما يقويه ويحميه ويرتفع به، ويهملون الناس الذي يحتاجون إلى أمن من جوع وخوف.. وقائلهم الذي يرمَح في أرضها ويفتك يقول: قولوا ما شئتم ونفعل ما نشاء.. وأمام هذا ليس بوسع كثيرين إلا أن يلجأوا إلى خيارات يجتمعون عليها وهم يتدبرون قوله تعالى: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض.." الآية.

من يرد المعرفة فقد وصله ما يكفيه من المعلومات والأخبار والقرارات والتصريحات والمخططات والتصرفات لكي يعرف ويعلم ويفهم ويدرك ويقرر ويكوِّن رأياً أو يرسم صورة أو يحدد موقفاً.. ومن ينتظر المزيد سيأتيه المزيد.. فالأيام حبالى، والأحداث ولود، والصفوف تراصت وتباينت واختارت وتمترست وراء خياراتها.. وهناك أرحام فتية لعقول معتلَّة ستنتج لنا من الأفكار والآراء والخطط والممارسات كل ما هو: مبهر للعيون، مغرٍ بالفتنة، مضلل للناشئة، مزيِّنٍ للحرب، مؤسسٍ للدمار، مدمرٍ للمنطق، مفضٍ إلى الفوضى وخراب البلدان وتقسيمها، واعتلال الأنفس والقلوب وتبريحها، وإلى إراحة العدو المحتل ومن يستظل بظله ويأتمر بأمره ويواليه ويربط بقاءه برضاه.. إلخ، ومن ينتظر أكثر عليه أن يستبشر بما هو أكثر وأكبر، فالعواصف الهوجاء على الأبواب ولن تترك باباً يفلت من قبضتها وقد تقتلع الكثير منها، القريب من بؤرتها ومركزها ومن يظن أنه بعيد عنها، فالفصل خريف يناوش شتاء قارساً ذا زمهرير، وقبل أن يحل الربيع العربي نخشى ألا يبقى في بعض أرض العرب عود ليخضر أو شجرة لتزدهي بقامتها وثمرها.. فمن يعميهم الحقد ويعصف بهم الانتقام ويستبيحون المحرمات الوطنية والقومية والدينية والإنسانية والوسائل والأدوات، من داخل الوطن وخارجه.. لا يكفيهم أن يستبيحوا الممتلكات والثروات والحقوق والحريات والأرواح لأنهم يطلبون أكثر من الأكثر، ويقف عند عتبة ما يطلبون الاجتثاث بكل ما يعنيه وما يرتبه وما يستدعيه، ونعرف أن الاجتثاث ينادي الاجتثاث.. فهل سنتنادم بكؤوس الدم، وتغص أرض الوطن بأشلاء البشر وأصوات العويل.. ويبقى من يطمعون بنا ومن يملكون ويحكمون ويطمعون ويفسدون، ومن يحرضون ويوجهون ويتأكلهم الطمع ويستبد بهم الطغيان.. يعبثون بنا من وراء البحار، أيديهم في الماء وأيدينا في النار..؟! يرسمون الصور كما يشاؤون، ويقررون ما يخدمهم، ويريدون أن يفرضوا علينا ما يريدون ليلحقونا بالاستعمار من جديد بوصفناً تبعاً ليس لهم حتى حقوق العبيد..!! ويبقى المعني بالإصلاح والحرية والكرامة والأمن والتغيير والمواطَنَة الحقة والتقدم، من بعد استقرار وازدهار إن شاء الله، يبقى غارقاً ومستغرقاً في هذه التفاصيل أو تلك ولا يكاد يتبين الطريق إلى ضوء الصباح..؟! إن من شأن وضع كهذا أن يضيع الوطن والفرص والوقت والإمكانيات والطاقات والجهود، ويبقينا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه...

إننا في ضوء ما نرى ونتابع ونسمع لا نرى انتصاراً حاسماً للعقل والحكمة والرأي السديد والعلاقات السليمة من الأطراف والأشخاص والجهات المعنية، ولا للمؤسسات المعنية في أعلى مستوياتها، ولا نلمح الحلول السلمية والمنطقية المسؤولية في تجلٍ من تجلياتها، بل نرانا نغرق في مخطط مرسوم لنا منذ بداية خطونا على درب ما يسمى الربيع العربي.. ونرانا مطايا وأدوات وبيادق أو زرافات لا نرى ما قريب منا ولا ندرك فوران الأرض، نهيأ ونتهيأ لحرب بسوس بعد حرب بسوس، فبعد تدمير العراق بمساهمة عربية، وتدمير ليبيا بغطاء عربي ومساهمة " عربية"، نتقدم نحو تدمير الشام بأيدي أبنائها وبقوة تدخل خارجي تتحرك وتتقدم، على الرغم من النفي المتكرر لهذا التوجه، وندلف يوماً بعد يوم إلى حروب أهلية ذات خلفيات طائفية ومذهبية، يستفيد منها من يريدون التوسع الإقليمي والهيمنة وإضعاف الأمتين العربية والإسلامية ونهبهما والاستيلاء على ثرواتهما ومقدراتهما.. وفي الوقت الذي تقول فيها سورية رسمياً إنها "وضعت قدمها على بداية نهاية أزمتها" نرى بداية تفاقم الأزمة الأكبر بالإعلان عن " أن "الشعب السوري سيقبل تدخلاً عسكرياً تركياً وليس غربياً لحمايته". وإنّ "التدخُّل الدولي يمكن أن يحصل خطوةً تلو أخرى./ عن أسوشيتد برس

ولكن أليست تركياعضواً في حلف شمال الأطلسي، وهو الحلف الذي تدخل في ليبيا ودمرها كما ساهم في تدمير العراق وأفغانستان و.. و..؟! وتتجدد دعوات لـ :" إقامة منطقة حظر جوّي في البداية تكون بعمق 5 كيلومترات انطلاقاً من طول الحدود التركية وصولاً إلى حلب "التي ستتحوّل مع الوقت إلى أساس للمنطقة التي ستصبح في ما بعد منطقة عازلة".. تعلنها الأمم المتحدة على أن تطبّقها تركيا وأن تدعمها الجامعة العربية"

ونرى فرنسا التي أعطت تركيا أنتاتورك: [[ كيليكيا عام 1920 ولواء اسكندرون عام 1938 ـ 1939]]، وهي أراض سورية بامتياز، تتلقف مطلب "الحظر القبر" وتروج له، ونحن ندرك أن ذلك يقتضي تنفيذه تدمير القوى الجوية السورية بكاملها وكل ما لديها من أسلحة لا سيما الصواريخ ـ لا سمح الله.. ولنقرأ الحدث الليبي الذي بدأ تحت مسمى حماية المدنيين والحظر الجوي ـ وهذا يضع سورية بمواجهة نفسها من خلال بعض بنيها، ويضعها بمواجهة تركيا ومن خلفها حلف شمال الأطلسي وعرب يقرون هذا أو يتغاضون عنه وهم يسترجعون ويحوقلون وينحون باللائمة على سواهم.؟! وفرنسا تحض تركيا العدالة والتنمية على ذلك اليوم وألان جوبيه وزير خارجيتها في أنقرة الآن لهذا الغرض بالدرجة الأولى.؟ وفي المقابل يحتشد من يحتشد في الطرف الآخر، سورية ومن يقف أو قد يقف معها؟ فإلى أين نمضي فعلاً؟ هل إلى حرب تتسع وتتسع لتصبح حرباً بين محورين " محور سني وآخر شيعي" كما يريد لها البعض أن تكون، أم إلى حرب أهلية سورية تعركها عرك الرحى بثفالها؟ أم إلى حرب بين جارتين هما سورية وتركية انطلاقاً من تفاعلات ما يسمى المنطقة العازلة والاقتتال السوري ت السوري؟ أم إلى " شرق أوسط جديد أصبح المدخل إليه فوضى خلاقة بعد أن عجزت قوة التدخل الغربي ـ الصهيوني المباشر عن تحقيقه؟"، أم إلى مجهول يشمل المنطقة بأسرها وقد يريح أعداء الأمتين العربية والإسلامية ويغذي اقتتالهما، أم يفضي إلى احتمال ـ ويا حبذا هو من احتمال ـ زوال الكيان الصهيوني كما يقال؟  أم إلى ماذا.؟

لا عقل ولا حكمة ولا قيمة ولا مصلحة مع انطلاق الحقد المجنون والارتكاز على تفاعلاته بعناد وتصميم.. ولا دفء لشعب يتعرى في مهب الريح ويدعو الآخرين، بمن فيهم أعداؤه، إلى التدخل في شؤونه وحل أزماته ومعالجة قضاياه واختيار ما " يصلح له ويصلحه".. الكارثة " الفتنة" قادمة أراها وأنكرها واستنكر من يسعى إليها بأي شكل من الأشكال ومن لا يسعى إلى وأدها بكل قوة وحرص، كما أدعو إلى التصدي لها بمسؤولية أخلاقية عالية، ووطنية رفيعة المستوى، وحنكة فائقة، واستقراء لمصلحة الشعب والأمة والوطن.. الكارثة " الفتنة" قادمة إذا بقيت هذه التوجهات والمؤامرات والسياسات والممارسات والعنتريات قائمة.. ومن يعش يرَ، " ويأتيك بالأخبار من لم تزود".

دمشق في 18/11/2011

علي عقلة عرسان

 

 

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |